السبت، ٩ يونيو ٢٠٠٧

{نحن} و{الغرب} بين ختان وانعتاق الذات




مدخل:

تم تناول موضوع الختان بشكل مسهب خاصة فى الاوئنة الاخيرة ومادعانى لتناول هذا الموضوع بزواية مغايرة ليس استمرار هذه العادة الذميمة فقط بل ماتتعرض له شريحة النساء المختونات فى دول المهجر من تشريح نفسى يعادل فى قسوته الختان نفسه هذا لاينفى جدية بعض البرامج التعليمية والتوعوية التى تقوم بها بعض المنظمات فى هذا الشأن سوى داخل السودان او فى بلاد المهجر.
كثيرا مايتم تناول هذا الموضوع بعيدا عن ابعاده الاقتصادية والسياسية اذ لايمكن القضاء على هذه العادة الضارة بانسانيتنا كنساء ورجال الا بمراعاة الوضع الذى تعيشه المرأة وتحليلة علميا وبافق يسع رؤية هولاء النساء والتعامل معهن بندية، إذ ان المنظمات العاملة فى هذا المجال يمكنها تعلم الكثير من هؤلاء النسوة وتغيير خططهن وفقا لنتائج دراسة واقع النساء فى بلد لا تراعى فيه ابسط الحقوق من مجانية التعليم والمياه النظيفه وتوزيع الثروة بصورة عادلة تشمل الريف والحضر وتركز على المناطق الاكثر تهميشا والتى عانت ويلات الحرب والجوع.
كثيرا مايتم اغفال عوامل اساسية مثل الخلفية الثقافية ، التعليم، الوعى الصحى، العمل، مستوى الدخل واندماج المرأة فى قضايا المجتمع وانخراطها فى المجتمع المدنى فبمراعاة هذه العوامل قد يتم التسريع بقضاء هذه العادة
الختان فى بعده الاجتماعى والثقافى لايعنى سوى دونية الانسانية فلايمكن ان تكون الانسانسة سوية اذ ان نصفها يعامل بدونية. الهدف من الختان هو محاولة لترويض المرأة روحا وجسدا لتظل خاضعة لقيم بالية نساء تختن روحهن يوميا بمحاصرة الحياة القاسية واللهث وراء تأمين لقمة العيش، لاجل التعليم والصحة والحياة الآمنه.
لابد من مراعاة ان النساء هن من اكثر المدافعات عن هذه العاده وذلك بوعى او بدون وعى فالمرأة هى التى تقوم بهذه العملية وتعد لها العدة وهذا مرده الى الدونية الاجتماعية التى تعيشها المرأة وتظل تدافع عن هذه العاده، فالخوف من العزل من المحيط الاجتماعى الذى تعيش فيه اضافة الى تعلقها اقتصاديا بالزوج يجعلها اكثر حرصا للدفاع عن الختان وممارسته سوى لبناتها او قريباتها او اعادته فيما يسمى بالرتق. هذه الخلفيات مهمة جدا لانها مسرح لاحداث التغيير التى تنشده المنظمات.

{الغرب} والويات القضايا:

المقصود بالغرب هنا دول اروبا التى تعاملت مع هذا الموضوع بشكل مباشر وأغليها تقع فى دول الوحدة الاوربية، ساركز على بعض الملاحظات والمعايشات بقرض تفكيكها وتحليلها من واقع تجربتى فى العمل العام سوى بالسودان او النمسا، بالتركيز على تجربتى فى تدريس مادة { قضايا الصحة الانجابية لدى النساء: مقارنات عالمية} حيث كتبت قرابة الستين ورقة علمية قمت بالاشراف عليها من طلية وطالبات اروبيات يدرسون بجامعة فيينا، كذلك تجربتى فى التدريس لذات الماده بالتركيز على المرأة الافريقية والنساء المسلمات بمدرسة القابلات بفيينا حيث قمت بتدريس هذه المادة مرتين للقابلات العاملات فى النمسا وكانت تجربة ثرة افادتنى كثيرا وفتقت فى ذهنى كثيرا من القضايا البحثية التى ينبغى تناولها بوجهات نظر مختلفة اذ نى لا اؤمن بحيادية العلم، فالمناهج الاكاديمية تختلف وفقا للكاتب والكاتبة فرؤية باحثة هندية مثل نائلة كبير يختلف عن تناول باحثة المانية كماريا ميز وذلك وفقا للموقف والدافع الشخصى للقضايا المختلفة.
استفدت كثيرا من تجربة انخراطى فى العمل العام فى النمسا منذ حضورى لها فى عام 1993 وقد اتاح لى التعامل مع منظمات المجتمع المدنى آفاق مختلفة افادتنى فى فهم جزء من العقلية الاوربية وتصحيح كثير من الصور سوى كانت سلبية او ايجابية والتى كانت فى الغالب مبنية على التنميط.
مراقبة واقعى الجديد بعين فاحصة وناقدة وعكس ذلك فى تقييم تجاربنا فى السودان اتاح لى ان اقرأ ذاتى فى اطار الذات الانسانية بشكل مختلف وان اغوص فى التحاور عميقا معها
تم تناول هذا الموضوع أى الختان بشكل مسهب طغى الى حد كبير على قضايا اخرى واساسية لايمكن فصلها عن محاربة هذه العادة سوى فى بلادنا الافريقية او فى بلاد المهجر. هنا ارى بالضرورة تسليط الضوء على تجارب مختلفة فى هذا المجال عايشتها عن قرب وخضت فيها سجالات عديدة على المستوى النظرى والعملى وهذا اتاح لى فرصة معرفة الآخر الى حد ما وتعريف {ذاتنا} كما نراها له . { نحن} و { الآخر} هو الافق الذى يبحر فيه تحليلى من منظور سياسى لهذا الموضوع.
بدأت ملاحظاتى تكتسب أهميتها بعد عدة تجارب خلصت منها ان هنالك كثيرا من التنميط الايجابى تجاه مضامين عديدة مثل التضامن بين النساء لمجرد بان نوعنا واحدا وكانت اول مواجهة لى مع الذات واحساسى بالتشريح حول جسد النساء الافريقيات يتم بطريقة غير علمية ويغفل فيها كثيرا الطينة التى كونت هذا الجسد وابعاده السياسية والثقافة التى خلفه. هل موضوع الختان من الاولويات؟ لاشك فى ذلك ولكن لا استطيع ان أعالجها دون بعدها الاقتصادى والسياسى.

كانت اول تجاربى فى كلية طب المجتمع بجامعة فيينا حيث قدمت محاضرة بدعوة من بروفسيره نمساوية وذلك فى عام 1994، كنت سعيدة بان قضايانا تجد الاهتمام وان التضامن بين النساء حقيقة ملموسة، كان هذا قبل ان الاحظ بان التعامل وتناول هذا الموضوع يعكس الهلع فى عيون الكثيرات والشفقة والعطف فى عيون البعض، الهلع من وحوش يعيشون فى افريقيا اغلبهم من الرجال الافارقة والشفقه على المرأة الافريقية المغلوبة على أمرها وهذا يعكس الى اى مدى تلعب الاجهزة الاعلامية فى اوربا دورا سلبيا فى عكس صورة المرأة الافريقية والتى غالبا مايتم تناول قضاياها بصورة مبتورة ،حتى فى تناول بعض المنظمات العاملة فى قضايا التنمية فتصور بانها دائما ماتكون حبلى وحولها اطفال يمرح الذباب فى وجوهم المتسخة وفى الغالب فى حالة عمل مجهد ومضنى ويتم تصوير الرجل الافريقى وهو يجلس مرتاحا او يلعب الورق. هذه الصورة ترمى بظلالها السلبية فى اغلب الاحيان على حياة النساء الافريقيات المهاجرات. قد تكون هذه الصور تعكس بشكل او آخر واقع معاش فعلا فى بلادنا الافريقية ولكن عسكها فقط بهذا الوجه السالب وإغفال الدور الذى تلعبه المنظمات الغربية فى هذا الشأن هو مايدعو الى التحفظ، اذ من النادر عكس الوجه الايجابى للنساء الافريقيات وحركاتهن
[2]
ان كانت المرأة الافريقية تعانى من انتهاك روحها وجسدها من خلال هذه الموس الصدئية فانها تعانى ايضا ويلات الحروب وتدفع غاليا ثمن استغلال موارد بلادها سوى داخليا او عالميا، فالقضايا لاتتجزأ خاصة اذا ارتبطت بحقوق الانسان، فحقها فى الحياة الكريمة يضمن لها ان ترفع صوتها بان تقول لا... لا اريد لابنتى ان تؤذى.
المحزن ان بعض النساء الافريقيات يتغمسن ذات الرؤية دون الارتكاز على واقعنا وخلفياته وكثيرا ما اتساءل عن جدوى القيامة فى هذا الامر بعيدا عن مسرح الاحداث وبعيدا عن النساء المعنيات بالامر. هذا لايعنى افتراض ضدى لمعالجة هذا الامر فيما يخص {طفلاتنا} فى المهجر ولكن الملاحظ ايضا ان المعالجة تتم دون مراعاة الوضع الذى تعيشه هذه الاسر المهاجرة، فكيف يمكن اقناع سيدة مهاجرة ان لاتفعل ذلك ولم تتم مناقشتها حول وضعها القانونى فى البلد المحدد، ان كانت تعمل، هل هناك امكانيات لتعلم لغة البلد المضيف؟ هل يراعى صوتها فى صناعة سياسة { الاندماج}، هذه الاوضاع لايمكن فصلها ابدا فى حالة معالجة هذا الوضع فى بلاد المهجر.


اتاحت لى ظروف اهتماماتى البحثية مراقبة ومتابعة بعض البرامج التلفزيونية وكنت قد شاهدت فى قناة اوروبية { أرتىٌِ}
[3] برنامجا عن هذه العادة فى المهجر باستثناء متحدثة واحدة تعيش فى المانيا وترجع جزروها الى السنغال تبنت مجموعة المتحدثات ذات المنهج الذى اراده معد/ة ومخرج البرنامج.
فى برنامج ترف كلتور} النمساوى تم استضافة الصومالية عارضة الازياء واريس درى والتى كتبت عدة كتب عن هذا الموضوع وارنكزت على تجربتها وعممتها فى الغالب على نساء القرن الافريقى ورمت باللوم كله على الرجل الافريقى الذى يضطهد المرأة ويريدها مختونة،فحين يضطهد الرجل المرأة نتيجة لاضطهاده ايضا من قبل سلطة أعلى يديرها أيضا رجال، فلايمكن الحديث عن إضطهاد المرأة بعيدا عن الوضع الطبقى فالنوع وحده ليس كافيا ليكون سببا لهذا الاضطهاد وإنما تلعب عوامل أخرى تتشابك مع بعضها البعض، عامل الوضع الاقتصادى والسياسى، الفقر قضية مشتركة بين النساء والرجال فى بلاد افريقية موغلة فى فقرها.
كتابات ولقاءات اعلامية تجافى الحقائق ولم تستند على حقائق علمية او احصاءات ومراجع اذ انى فى بحثى لم اجد اى مرجع كان الرجل الافريقى محوره فى هذا الموضوع لمعرفة رأيه وتحليله بشكل علمى وكانت اى واريس درى والتى تم اختيارها سفيرة للنوايا الحسنه لمحاربتها لهذه العادة، قد قامت باجراء حوار معى عن طريق دار النشرالتى تتبنى نشر كتبها ووافقت على اجراء الحوار واشترطت ان يتم ارساله لى قبل نشره وقد تم ذلك بالفعل الا ان ارائى التى ذكرتها تم تعميمها الشىء الذى ازعجنى ورقضت نشره مالم يعدل كما ارغب ومازلت احتقظ بكل المكاتبات وتأخر نشر الكتاب
[4] بسبب رفضى لعدة تعديلات تحمل فى طيأتها رسائل غير التى اريدها وفى النهاية تم مااردته. اردت ان اؤكد بسرد هذه الحادثة الى ان مواقفنا من هذه القضايا تتناين وتختلف حتى داخل المجموعات الافريقية الناشطة فى هذا المجال وهذا كان حافزا آخرا لاركز على الجانب الاكاديمى ومحاولة ربطه بالواقع.
فى عام 1998 وبمناسبة يوم المرأة العالمى استضافتنى القناة الرئيسة للتلفزيون النمساوى
[5]
قلت ارائى ومواقفى من هذه العادة السئية وسجلت اعتراضى على الطريقة التى يتم تناول هذا الموضوع والتشريح القاسى الذى ينالنا منه كثيرا من الاذى النفسى والصور التى تبث تتجاهل كثيرا من الحقائق، لم تكن الصحفية راضية عن ماقلت وحاولت بوسائل عدة ان تقنعنى بشكل او بآخر لتبنى وجهات نظرها ، حتى الطريقة التى حاورتنى بها لايمكن فصلها عن {نظرية المركزية الاوربية} فى التعامل مع الآخر خاصة اذا كان هذا الآخر من اصل افريقى وفوق ذلك إمرأة ومختونة... كل الموبقات مجتمعة فى النساء الافريقيات وكفيلة بالدعوة لتشريحهن. حين بث البرنامج لم يبث الا موقفى المعترض من هذه العملية اما موقفى وانتقادى لبعض المعالجات لم يكن مهما. هذا يعكس ايضا التناقض التى تعيشة بعض الناشطات الاروبيات فى تناولهن لقضايا المرأة فى العالم النامى عموما، يحكين عن التضامن وينادين بان ترفع المرأة الافريقية صوتها وحين نفعل يعلو صوتهن على صوتنا. وهنا يقفز السؤال حادا حول الكيفية التى ترفع بها المرأة الافريقية صوتها الذى لن يرتفع الا وفقا لمعطياته وحركة تحولات البنية التى ترتكز عليها. ثم يأتى بعد ذلك الحديث حول التضامن وخلق {لوبى} عالمى وذلك فى إطار يحترم رؤيتنا وقد نجحت بعض النساء الافريقيات فى ترسيخ رؤيتهن حول كثير من القضايا بدء من قضايا {الجندر} وامكانيات تعزيز المرأة
فيما لايقل عن مائة محاضرة وورشة عمل او حوارات تلفزيونية او اذاعية او حوارات فى صحف او مجلات قدمتها خلال فترة اقامتى لاحظت ان التعامل يتم مع المرأة الافريقية كذات وليس كموضوع يتم تناوله بتشخيص وتشريح مستمر فى جسدها وروحها وكنت اتفاجأ مرات حين يسألنى احدى الحضور ما اذا كانت المرأة الافريقية المختونة تستمتع بالجنس. بالطبع من حقهن الاستمتاع بالحياة الجنسية ولكن حقهن الاعظم ان يعرفن ان ، لب القضية هو الفقر والجهل والمرض الذى يسحق افريقيا وإنسانها رغم مواردها ومصادرها ويؤثر بشكل مباشر على النساء والرجال معا.
كان الحديث عن قطع الشفرين الكبيرين والصغيرين والبظر يثير الهلع فى عيون الاوربيات واحيانا شىء اشبه بالقرف وكنت غالبا ما اطرح السؤال فى محاولة لايجاد مخرج علمى وموضوعى لقضية الختان، كنت اجاوب على هذا الهلع بسؤال آخر ولكنه لاينفصل عن محاربة هذه العادة بل هو أسه، ان اكبر شفرين فى العالم هما شفرى الفقر ووجب علينا قطعهما، حين تجد المرأة مدرسة ومستشفى ومساحة حرية تعبر فيها عن رأيها واحتياجاتها وعن حقوقها الصحية حينها فقط يمكن ان يتحقق الامل فى القضاء على ختان البنات. واتساءل لماذا لايبدو هذا الهلع سافرا حين يموت إنسان أفريقيا بالجوع والحروب.

فى عام 2000 قدمت مشروعا لتمويله حول قضايا الصحة الانجابية لدى المرأة الافريقية والعربية المهاجرة بفيينا، كانت المسئولة حريصة على تمويل الدراسة فى حالة تركيزها على الختان ومن جانبى رفضت ذلك رفضا قاطعا ليس لعدم اهمية الموضوع ولكنى رأيت ان موضوع الصحة الانجابية وحقوق المهاجرات فى هذه البلاد يشمل ايضا موضوع الختان بل ويتناول قضاياهن بشكل اوسع وكنت قد احتجت لاكثر من عام لاجد تمويلا لهذا المشروع اذ إنى لاحظت من اول دراسة قمت بها عن مشاكل الاندماج لدى المرأة الافريقية بفيينا فى عام 1998 كانت هناك نقاط مثيرة للبحث دونتها فى كراسة جانبية كان من ضمنها موضوع الصحة الانجابية. نتائج الدراسة كانت محزنة اذ ان الوضع الذى تعيشه نسبة كبيرة من المبحوثات تعانى من امراض مختلفة وبعضهن لاتعرف حقوقها الصحية نسبة لعدم معرفتها للغة وتعانى التمييز ومن المدهش ان التمييز يحدث غالبا من عاملات النظافة المهاجرات من يوغسلافيا القديمة. فى موضوع الختان ونتيجة لتحليل المادة التى جمعتها هناك نسبة بسيطة تنوى ختان بناتها حين العودة فى الاجازة. نتائج الدراسة اتتنى بمعلومة كانت جديدة تماما بالنسبة لى مثلا فى رواندا ووفقا للمادة المجموعة منهن اثناء البحث بانه فى فترة الطفولة يتم مط الشفرين ويتم ذلك للبنات فى سن صغيرة وهو يسبب الما فادحا والهدف من ذلك ان ارتخاء الشفرين يسبب متعة للرجل. الخلاصة هو ان جسد المرأة يتم تشريحه وفقا لابجديات ترويضه ليكون اداة متعة فى حالة رواند مط الشفرين وفى السودان وبلاد اخرى فى افريقيا قطعهما لتقليل الشهوة عند المرأة وهذا لايختلف عن حزام العفة الذى مورس ضد المرأة الاوربية فى ازمنة غابرة وقد نجحت المرأة بمناصرة المؤمنين والمؤمنات بحقها فى الحياة الكريمة من التخلص من حزام العفة وعليه يبقى من حقنا ايضا التخلص من هذه العادة وهذا يحتاج بالطبع لمناصرة ودعم الا انه ينبغى مراعاة الخلفية الثقافية والاجتماعية والابعاد الاقتصادية والسياسية لهذه العادة. فالقابلة التى تقوم بحرث شفاه خصوبة البنات لايمكن ان تكف عن ذلك مالم يتوفر لها مصدر دخل بديل تصاحبه توعية مستمرة ويتم دعمها بالقانون.
كثير من الدول الاوربية سنت قانونا صارما ضد الختان وقد طرحت وجهة نظرى المختلفة فى اكثر من منبر وهو ان القانون وحدة لايقضى على هذه العادة وان الحقوق لاتتجزأ، فاللمرأة المهاجرة حقوق لاتنفصل عن الحق فى محاربة الختان، من حقها العمل ان ارادت، من حقها الحصول على الاقامة والتجنس وتعليم اللغة وتوعيتها بحقوقها فى البلد المضيف والمشاركة برأيها حول سياسات الاندماج، من حقها ان تعمل بحجاب او من غير حجاب. ان وضع اى تروس امام هذه الحقوق المشروعة اعتبره نوعا آخر من الختان هو ختان الذات. وبالتالى تتعرض المرأة الافريقية المهاجره الى نوع آخر من الختان
نظرة العطف تسلب العديد منهن القدرة على تغيير نفسها بنفسها وذلك يتم عن طريق معرفة حقوقها كاملة، نحن بحاجة الى خلق لوبى وتضامن ولكن ينبغى خلق هذا وفقا لاحتياجاتنا ومراعاة رؤيتنا في هذه القضايا وقد شددت على ذلك فى محاضرة
[6] حول تحرر النساء وكان سؤالى الذى انطلقت منه محاضرتى هل نحس كنساء باننا تحررنا؟ ومن ماذا؟ ولماذا؟ هل تحس المرأة منا بتحررها وهناك بشر فى بقعة ما فى هذه الارض يعانون الاضطهاد؟ الم نساهم بشكل او بآخر فى وضعيتهم؟
}Ishraga M. Hamid stellte zu Beginn des ersten Symposiumstages die Frage, ob die Emanzipation der Frau auf Kosten der Unterdrückung von benachteiligten Frauen geschehen kann. Eine Bemerkung, die den Verlauf des gesamten Symposiums wesentlich beeinflusste. Das eigene Ich stand damit im Mittelpunkt und es ging um die Auseinandersetzung mit Machtpositionen, die Offenlegung von Rassismen und das Aufspüren von Wegen der Zusammenarbeit
[7]{
هل نحس بتحررنا وهناك امرأة فى الهند واطفال يعملون عشرات الساعات فى النسيج الذى يصدر اغلبه الى اروبا وهم يرزحون تحت نيران الفقر؟ او نساء افريقيات يعملن فى حقول القهوة والكاكو وتحت هجير شمس لاترحم؟ هل نتذوق مرارتهن فى القهوة التى نحتسيها كل صباح؟ كانت هذه الاسئلة دبابيس قاسية تمهد لطريقة افضل نفهم بها بعضنا البعض وان نبنى قيما للتسامح نشارك فى وضعها معا وان لا تكون مجرد شعارات جوفاء لاقيمة لها. كانت الاسئلة هذه بمثابة مواجهة مع الذات ومع الآخر والشىء الذى حدد لحد كبير مسار تلك الندوة كما موضح اعلاه من ملاحظات المشاركات والمنظمات.

ان الاولويات والتى يمكن تمويلها من المانحين تركزت فى الفترة الاخيرة على محاربة الختان، كم من المشاريع مولت ضد الختان وان نسأل السؤال بشكل مغاير كم مشروعا يتم تمويله حول ثقافة السلام او حماية البيئة مقارنه بالختان. هل يمكن محاربتة بمعزل عن ثقافة السلام الاجتماعى فى السودان؟ إنها اسئلة تفتح شهية البحث والتحليل.
كيف يكون المدخل لامرأة افريقية تعمل اكثر من خمسة عشر ساعة للحصول على المياه اوتعمل فى الحقل تحت هجير الشمس وتشرب ماء متسخا ومصابة بعدة امراض اولها البلهارسيا والملاريا والتايفود،
كيف يكن تحت هذه الظروف محاربة هذه العادة الذميمة؟ اى لغة ينبغى استخدامها؟ هل التسميات المختلفة للختان وربطه بالعنف والتشوية الجسدى من ابتكارتنا كنساء افريقيات؟ رغم قناعاتى الراسخة ضد الختان وضد كل مايؤذى المرأة الا ان هنام سؤال آخر يبنغى مواجهته، ماذا اذا قالت لنا امرأة مختونه فى قرية نائية فى السودان بانها لاترى فى الامر عنفا وانما {عفة وصوناْ للمرأة}، هل سوف تسمعنا ان لم نراعى اللغة التى نستخدها ومحاولة لخلق لغة مبسطة مشتركة لاتصيبها بالصدمة ولاتزحزحنا عن موقفنا الثابت ضد الختان.

القضاء على هذه العادة لايأتى بقرار سياسى فوقى وانما بانخراط النساء المعنيات فى صيروة وجودهن والاعتراف بحقهن فى الحياة الكريمة واندماجهن فى قضايا التنمية وان اول الطريق يبدأ من انتزاع حقوقنا السياسية، فحق الاكل والشرب، التعليم والصحة المدخل الاولى لهذه الحقوق، لانحتاج ان نحكى بلغة الكتب مع نساء لايستطعن فك الحرف، اللغة الفوقية التى خلقت فجوة شاسعة على كل الاصعدة بدء من الحكومة مرورا بالاحزاب وانتهاء بالحركات النسوية وهذا موضوع آخر ساتطرق له فى مقال آتى.
اندماج هؤلاء النساء فى التنمية الاجتماعية والاقتصادية يمهد الطريق لطرح كثير من القضايا ومحاربة العديد من العادات الضاره، اول الدرب يبدأ من التحرر من ربقة الجهل والفقر ولن يتم ذلك الا باشتراك النساء انفسهن فى صنع القرارات المصيرية دون فرض او وصايا.




مراجع لمزيد من الاستفادة:


1. Richter, Gritt, Stop FGM - proposals for change,2001
2. Abdel Halim, Asma Mohamed, Rituals and angels: Female circumcision and the case of Sudan, 1995,
3. Abdel Halim, Asma Mohamed, Sudanese women in the United States: the double problem of gender and culture, Mellen Press, Lewiston, 2006
4. From basic needs to basic rights ; S.249-266, I A 1579, Schuler, Margaret
5. Mandour, Iman, The politics of FGM in Egypt, Isis Women's International Crosscultural Exchange, 1998
6. Charvat, Katharina, African problem means global problem, Wien, Univ., Diplomarb., 2001
7. Dirie, Waris ,Schmerzenkinder, . - Berlin : Ullstein, 2006, Ungekürzte Ausg., 1. Aufl.
8. Dirie Warise , Wüsntenblumen, Ullstein, 2004, 15, Aufl



بعض البحوث التى قمت بها بشأن المرأة الافريقية المهاجرة {جميعها كتبت باللغة الالمانية}

Frauensolidarität (Austrian NGO for women in development) (2000- 2001)
Project development and management for research on reproductive health for the public administration's Office for Women's Health of the City of Vienna's (2000 - 2001)
Project idea and project manager of a UNESCO school project (Fatima Bit el Khatab School for Girls and at a Business School in Vienna) called "Environmental Conservation Calls for More Than Just Solidarity", Vienna 2001-2002
Project development and management: Women on the Run in Sudan, on the situation of internal refugee women, in cooperation with a women's organization in Sudan and supported by several Austrian NGOs 2003
Project emplemtion: Empowerment Strategy among Afro- Austrian Childern in Vienna 2004
ُEmpowering Community:gegen FGM and earlier marriage , Sudan 2006
يكمن الحصول فى هذه الصفحات والتى فى أغلبها الاعم باللغة الالمانية عن بعض ما اشرت له فى ندوات مختلفة من تحديد موقفى الواضح من العديد من القضايا ومن ضمنها القضية موضوع المقال

http://www.afrikanet.info/index.php?option=com_content&task=view&id=598&Itemid=2
http://www.google.de/search?q=Ishraga+M.+Hamid&hl=de&start=50&sa=N
http://www.google.de/search?hl=de&q=Ishraga+Hamid&btnG=Suche&meta=
http://www.google.de/search?q=Ishraga+Mustafa&hl=de&start=20&sa=N
http://www.prairie.at/ressorts/stadt_land/artikel/20031018092318/

http://igkultur.at/igkultur/kulturrisse/1086766500/1086766736

[1] http://www.kupf.at/index.php?sid=596


[1] هذا المقال جزء من كتاب يحمل عنوان بين ختان وانعتاق الذات، اقوم فيه بتحليل المواد التى جمعتها واركز على بعض ماكتب فى هذا الموضوع
[2] ينبغى الاشارة الى ان هذا المقال ماهو الا مسودة لبحث ظل يشغلنى من سنين طويلة واسعى لتطويرها وتحليل عينة من المواد التى تناولت هذا الموضوع ومقارنتها بالواضيع الاخرى التى تهم الشأن الافريقى النسوى وكذلك الاشارة الى التباين فى طرق المعالجة وذلك وفقا للكاتبة وخلفياتها الثقافية ، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية
[3] ART
[4] Dirie, Waris ,Schmerzenkinder, . - Berlin : UDirie Warise , Wüsntenblumen, Ullstein, 2004, 15, Aufl

[5] ORF 2
[6] Freitag, 24. Oktober 200316.00 Begr?16.30 Panel: Interkulturelle Kulturarbeit und
Gendermainstreaming in Kulturinitiativen
http://www.prairie.at/ressorts/stadt_land/artikel/20031018092318/

http://igkultur.at/igkultur/kulturrisse/1086766500/1086766736

[7] http://www.kupf.at/index.php?sid=596


الحب والتنمية


الى رندا حاتم…. نبض لبلاد بعيدة!

زخ أول....
تهجس بى المسئولية منذ ان فرهدت فى داخلى غصون شجية غرسها صغار يدندنون بالامل.. نظراتهم التائهة تبحث عن آمان مفقود وأمنيات تخنقها سطوة الفقر واليأس. قضايا عديدة تصيبينى بحالة من حالات الشوق الانسانى لتدوين تجارب تصب فى بحر الحب، تجارب تنموية قمت بتنسيقها مابين مدارس اليونسكو بفيينا وبعض منظمات المجتمع المدنى بالسودان.. تجارب فتحت طاقات انسانية كامنة، انهار من فعل المحبة الذى يجهش باحلام التغيير، التغيير على مستوى محلى وعالمى، تغيير يفتح مدارك النقد ومواجهة الذات وربطها فى مشنقة المسئولية الجسيمة نتحسس بعدها شهقة حلم بعيد سطع فى عيون صغار ماعرفوا يوما قيمة ان يعيشوا الحياة....
عانيت كثيرا فى مكابدة التوثيق لهذه التجارب وعكسها، الايجابى منها والسلبى، ماتعلمته من تلاميذ وتلميذات ، طلبة وطالبات قمت بتدريسهم لسنوات طويلة يجعلوننى اتحسس روح أمومتى، وافتح عقلى لاحلامهم/ن وطريقة تفكيرهم/ن. عانيت لان الكتابة تحتاج الى مزاج وطقس متوازن، تأجلت كثيرا كسحابة مخنوقة ومحاصرة بغضب السماء، وظلت معلقة فى انتظار سهم يصيب زخاتها لتهطل، سهم انسانى يفجر هذه الطاقة الكامنه.
ظليت أحمل هذه الفكرة ينبض بها قلبى كلما لمحت بريق أمل ولو لتغيير طفيف، كلما برقت فكرة نضرة تحركها طاقة انسانية تحسسنى بان هناك ثمة نشيد مشترك تتلوه اصوات متناغمة يربطها هم نبيل وحلم ثابت وايمان لا يتزحزح.
حاولت النهوض حال سماعى لانشودة إمرأة فيها بعض منى. ان بذرة الحياة التى غرسها ابى فى رحم أمى اقتسمتها يد ملاك خفية، وضعتها فى بطن دافئة وآمنة، فخرجنا للدنيا فى ازمان مختلفة ولكن انتمينا الى نهر المحبة، التقيتها عنده تحمل احلامها النبيلة، إتأمنت عليها رمال ذلك الساحل حيث التقينا، وجدتها ترش بعض من نبيذ روحها على امنيات خافت عليها الجفاف فوارتها طمى النهر. كنت حينها على الضفة الأخرى أعانى مغص فى الروح، كنت احتاج الى طاقة خارقة تهز سكون اشجار الفعل فى قلبى، رفعت حلمى شاهقا وندهتها.... يا بنية .... فيك منى حلم وقضية....
رندا حاتم.....
لاتختلفين يا صديقة عن ادورا لورد، الافرو أمريكية...تلك التى دفقت نبضها فى عقلى...
فكلما فاجأنى البيات الشتوى وخمدت طاقة الفعل النشيد عندى الجأ لها... أكاديمية وباحثة، وكان لابد ان اقدم شاعريتها على اكاديميتها، قتلها السرطان اللعين ولكنها بقيت، طاقة خلاقة وإرث عظيم حافل بتاريخ قضية السود فى العالم، قضايا السلطة وقسمتها. أدورا تجعلنى أجهش بحركة قلقة لفعل يهطل فى يباب العمر فتزهر سنواته العجاف...
.لاتختلفين عنها.... فقد أخرجتينى من حالات بياتى الشتوى الذى لم يراعى تداخل الفصول. قرأتها من جديد، حفزتنى ان انهض وان احول كل الطاقات السالبة الى فعل. إنها كنز معرفى وثورة لاتهمد.
الاستسلام طاقة سالبة
وكذلك الحزن رغم نبله واحتياجنا له
الغضب طاقة
كما الحب
كما القلب حين يفرهد بالغنا
كما الانهيار
عند ذاك النهر يا ابنة امى رندا.... نفضت عن كراريس قلبى الغبار وبحثت عن رفيقى، كان قد هجرنى فى اماسى وليالى بارده احتجت دفئه كثيرا، فلاشىء يدفء الروح ويصيبيها بالانتشاء سوى الرفيق القلم! كان هذه المره على غير العادة فرسا جامحا غلبنى ان الجم همزة الوصل فى عينيه، قاومنى ولم الين، ويعرفنى حين تنهمر اشواقى للفعل الانسانى فلا يلجمنى الا الرحمن الرحيم هادم اللذات ومحىّ الاوراح عند ذاك النهر العظيم.
شكرا لك وانت تهجسيين بالفعل النبيل
وتشرق روحك شاهقة كاحلام النساء العظيمات
تحركك طاقة الحب... الحب الذى يحرك اوردة الخير فينا
نفضت عن آخر سطر كانت قد توقفت عنده روحى بعد ان دلقت آخرة قطرة بنزين فيها، كنت احتاج فعلا الى شعاع قوى يشعل رغبتى فى تدوين بعض التجارب التنموية التى ارى انها جديرة بالتوثيق، منحتها اسما قد يترك كثير من التساؤلات، { الحب والتنمية}، فكل مايحركنا الى فعل مثمر وايجابى يكون محركه الحب، انها السطوة الوحيدة التى تجعل كل الاحلام ممكنة.
ليست بى اى حالة من حالات النزوع الى الطوباوية، ولست أكاديمية {ناشف عضم منهجى}، فالعلم لايسوى جناح باعوضة ان لم يتحول الى فعل، ان لم تحركة نزعة الحب للتغيير ان لم يفرش الارض بخضاره وثماره.
{ الحب والتنمية} كتابة توثيقية اطرح فيها تجارب حملت فى بزورها روح التحدى، لم تلين شوكتها امام ريح الانكسار والاحباطات، ادونها كما عشتها، وكيف تفرهد الفكرة فى دمك وتشب شجرا تحرقه اسئلة هويتنا الانسانية وتحديد مواقعنا من الصراع الدائر فى العالم. الخروج من نفق الذات المحصورة بين قوس القبيلة وشولة نفى الآخر. لا ارغب ان يكون توثيقا علميا { ناشفا} بل ادلقة بناره ، انهاره، عواصفه، صقيعه، بكل لحظات الضعف والانكسار حين تتعطل احدى المشاريع فى منتصف صلف
{ المركزية الاوربية} وتغيير المصطلحات والمفاهيم، وكيف تحول مفهومهم من فكرة {نحن} نساعد {كم} الى مضمون التعاون، نعم التعاون الانسانى المتساوى، فهم يضيفون لنا ونضيف لهم ايضا من تجاربنا، الصراع ان تغرسى نبته الاعتراف فى جيل جديد بان افريقيا ليست فقيرة انما تم افقارها،
وإننا نحتاج الى كتابة تاريخنا بشكل مختلف نتجاوز من خلاله جراحات اللون، النوع، الدين، الاصل التوجه السياسى.وغيرها..... تجارب فيها نقد ذاتى لمحاولاتى الاولى وانا أغمض عيونى عن عيوبنا و {مناكفة} الآخر باعتباره مسئولا عنما يحدث فى بلادنا....
كيف اضاف هؤلاء { الوليدات والبنيات} الصغار فى النمسا الى تجربتى واثروها برؤيتهم/ن وساعدونى ان انظر الى ذاتى وان انتبه الى { عنصريتنا} التى نرفض الاعتراف بها، عنصرية تنتج كردة فعل لان العنصرية هى سلطة، سلطة من يملك ضد من لايملك.
تجارب فتحت آفاقى وكأنى صبية تتلمس طريقها للمعرفة والخبرة وفتقت فى ذهنى اسئلة الهوية فى بعدها الانسانى العميق، وانسانيتى تتمرحل الآن فى سعيها الجريح نحو {هوية انسانية} نمهد لها بفتح جرحاتنا التاريخية وان نفتح قلوبنا لجيل جديد له القدرة ليستمع ولينتقد، فماذا حين تدمع عيون شابة صغيرة متضامنة بمحبة خالصة لا يخفيها نبض القلب.
أدون هذه التجارب للاجيال الجديدة، لفتح أفق جديد ينتزعنا من التفكير بذاتية الى روح العمل والعقل الجمعى المتضامن الذى يصدح لنهر الحياة ولحقنا فى ان نعيشها وان نستمتع بمصادرها كشركاء مصير.تجارب كان منبعها الحب المتمثل فى الايمان بالفكرة والحرص عليها ، تطويرها وفك حروفها على ارض الواقع لتثمرهناك أفكار صغيرة، مثل زغب معرض لاهواء الدنيا وتسلطها، كنبته يمكن ان ندوس عليها فى سعينا المحموم للتكديس والتسلط ونفى الآخر، ولكنها تفج لها مكانا، بالاصرار والعزيمة بملح المحبة الذى يطعم حياتنا ويفرهدها.
مشاريع بدأت كحلم سكننى منذ زمن بعيد، ان استفيد قدر الامكان من تواجدى فى هذا البلد، ان يكون الصمود هو الركيزة الوحيدة التى يبنيها الحب وكلما تهب ريح {العوارض} ترسخ الفكرة فى قلبى واعلن راية التحدى، الراية التى حملتها منذ ان أعلنت صرختى للعالم فى تلك البقعة المنسية فى تقسيمات عالمنا الداخلى والخارجى...
تجارب حولتنى من امرأة تتنفس الهواء من رئة السياسة الى أخرى تتنفس السياسة من رئة الحب. لم يكن الهدف التمويل المادى لترميم المدراس، بناء مراكز او توصيل المياه الى بلد يجرى فيها اكبر نهر فى العالم، مانحتاجه بجانب ذلك ترميم النفوس التى خربتها سياسة عدم التخطيط، سياسة افقرت الفقراء واشبعتهم غبنا، لابد من مصحابة الترميم او بناء مراكز اجتماعية الى برامج وعى يشارك فيها المعنين بالامر، يقولون قولهم ويحفرون عميقا فى تربة وجودنا.
هذه البرامج صاحبها ايضا محاضرات وورش عمل وندوات متكررة عن ضرورة التضامن الانسانى وعن امكانية فتح أبواب التعاون على مصرعيها وان نكسر معا بوابة المركزية الاوربية التى تعتبر اوربا هى المعيار الذى يقاس به تطور العالم.
حوارات مفتوحة ودون خوف... انها الحرية... نعمة حرمنا منها ومازلنا نجابد فى مجاديفها الرهينه لاهواء ساستنا الغارغين فى الانشاء، لكم تمنيت ان يحولوها الى{ نشا} الى ذرة وماء، الى دواء ومحبة لشعبهم. ولنا ان نتمسك بايماننا بان فى داخل كل منا مساحة ضىء نازعة للفعل الجميل، لابد ان يأتى يوما ونربط اقوالنا بافعالنا وان نسأم قليلا من { النقة} ونبدأ الفعل والعمل، حركة الوعى والتغيير متلازمان فى حركة تحول الكون. ستتأرجح هذه التجارب مابين الانجاز و الفشل، بين الامل والاحباط وفى دوران هذه المشاعر المتناقضة يكمن السر الدافق ذلك الذى ينتمى لطمى الفكرة، لغرسها، لرعايتنا لها... فحين يتحقق بعض ماصبونا له نحس ان العالم رتب بعضا من ضجيجه فى داخلنا وبان حالة سكون النفس ورضاها تلبستنا كجلباب غاندى. نحس حينها ان ثمة شعاع يشق كهوف حياتنا وإن نبتة القلب تفتح أوردتها لماء الحياة التى منحنا لها بشر قدموا لنا اكثر بكثير مما قدمنا لهم... الحب... الحب الغير مشروط... فى قلوب اولئك البسطاء... اولئك الصغار ... انشودة غدنا المنتظر.

فانوس لرندا حاتم

اقولها لك ياصديقة الهم الانسانى... لاتتردى فى غرس بزرتك فى اى ارض طيبة، اغرسيها حيث دفق نبضك... انظرى ملء قلبك حيث تشرق بسمة صادقة، نحن أحوج مانكون لها... أسعى لان تأخذ أفكارك اطارها المؤسسى فهذا يعلمنا الكثير، ان نستفيد من خبراتنا، نمارس اختلافنا، قد تعلو أصواتنا ولكن تأكدى طالما الفكرة واضحة والايمان بها عميقا وراسخا فلن تنهار... سيكون طعم الحياة مختلف، حينها نحس باننا بشر... لنا قلوب تنبض انهارها بحلم الغابات الكثيفة المدى... ان تعثرت الخطوات فهذا لايعنى النهاية فالفرسة قد تكبو ولكنها تظل تصهل باحلامها.... كونى فرسة... فالمدى أمامك ولن يلجمك الا حب البسطاء.

حكاية البنت محمد ولد


أمل وبدر جاءا إلى الدنيا سواسية، أمل ستصبح امرأة وبدر يصير رجلا. لكل دوره {بيولوجيا} فى صناعة الحياة. براءة الطفولة تكسى وجهيهما. يلعبان سويا كل الألعاب المتاحة بدء من{ شليل وين راح، كرة الشراب وبيوت الطين}.
استمر حال المرح وبهجة الخريف الهلّ إلى أن بدأ يلعبان لعبة {عروس وعريس}، وبدأت بعدها {كتاحة الفرز}. للأولاد كوم وللبنات كوم آخر. بدأ ذلك قبل فك حروف المعرفة لندرس عن خصوبة النساء والعيال القادمون من { صلب الرجال}.
بدأت الحكاية حين بدأ التقسيم، والمحزن إن السطوة تمارس فى الغالب من الأمهات اللواتي اكتوين بها. كان أول سؤال رميته فى بركة جدتي المسكوت عنها وعمري لم يتجاوز بعد العاشرة : {ليه انتى بس البتعوس الكسرة؟}. كنت أمنى نفسي بمعرفة السر الذي جعل دور جدي ينحصر فى {العسكرية وتمطير السعوط بعد المعاش كسبا للرزق}، ودور جدتي المحصور بين { صاج العواسة وغسل الصحون وشد حلة الملاح}، رغم أنها كانت تعمل أيضا كسبا للرزق. كنت أتخيل الأدوار معكوسة وجدتي تلبس برنيطتها وتمطر السعوط إلا أنها لم تفعل. لبست برنيطتها فقط {لعيال ماما} وهى تنفض عنها تعب الروح وتحررها من الشقا حين تقرع {الطمبرة}.
كثير من البنات لم يعشن طفولتهن كما ينبغي أن تُعاش. الأمهات والحبوبات لا يملن من خلط الحناء والمحلب تفوح رائحته ل{جرتق بنات الطهور}، والإعداد لسيرة البحر والصالحين لكف {الكج من المطهرات}. ولم يكن هنالك {كجا} أكثر من تلك اللحظة التى هدرت فيها تلك الداية ذات المشارط الغولية فى جسد البنات. من يومها تم ترويض أرواحهن قبل الجسد، والبنات اللآتي انطفأت فيهن بعض من جذوة الحياة يدندن بنغمة مكسورة القلب {الليلة الفرحة وبكرة الضبحة}. والصغيرات اللاتي لم يجربن بعد قسوة الألم يلعبن كفرسات تمرن ساقيها للركض فى الفضاءات، لم يكن يعرفن أن تلك المرأة ذات الشنطة الحديدية تبرم {شنبات} سطوتها وهى تقول {تلقنها عند الغافل}.
بدأت قصة الترويض وقسمة ادوار الحياة التي ربما تنازلت عنها المرأة بذاتها منذ فجر التاريخ وهى تترك الأرض لآدم ليفلحها وخطواتها تتقهقر للخلف. يومها انطفأت رتينة الضحكة وسكنت تحت رماد التقاليد... الضحكة التي حولتها مقاومة النساء جمرات تنفض رماد السطوة وتشتعل بمواجهة الواقع وعلا صوتهن ضد الترويض النفسي والروحي للبنات صغيرات السن.
لعبن الحبوبات دورهن بجدارة مستلبات لعقلية الاستبداد والقهر، ومهدن الطريق للمدرسة لتقوم بدورها فى ترسيخ تقسيم الأدوار وتحديدها. أمل المسكينة إنهدّ {حيلها} و {طشت الغسيل المردومة قداما هدوم بدر وأبو بدر} يتوعدها بمزيد من التعب، ويديها الصغيرة تدعك ألمها، ورغوة الصابون تتحول إلى رماد يغطى المكان. ثمة جمرات تولع فى عينيها فترى الطريق. تعود أمل من المدرسة لتساعد أمها المنهوكة، حدد المنهج الأدوار حيث كان أول درس فى المطالعة والبنات شغوفات بالمعرفة، فبدر يفتل عضلات سطوة الحروف التي تهبه الفضاء ليمرن فيه جسده الصغير ليتم إعداده ليكون رجلا {قدر الحيطة} وصوته يعلو بالسطوة، وصوت أمل تتلبسه عورة مناهجنا. لذا ينبغي أن لا يعلو فتفضح قلة حيلة معرفتنا بوجودنا الإنساني.
أمل التي انفردت روحها وهى تتمنى أن تكون لاعبة كرة قدم، سلة أو طائرة تتحول بقدرة قادر إلى {محمد ولد}. رسمت المناهج دربا غير ذاك الذي رغبته أمل، والتي رغبت فى دراسة الهندسة الكهربائية أو المعمار. أمل التي تريد أن تدرس إدارة الإعمال لتصبح {بيزنس وومن}، لم تدر إن عليها أن تدرس الأعمال المنزلية وتتقنها.

كبرت أمل وتزوجها بدر. حتى بدر الذي حرر نفسه من تقسيمات الأدوار {نظريا} مازال لحد كبير ينقصه الفعل عدا قلة استطاعت أن تعيد بلورة ذاتها. يعود بدر من العمل منهوك القوى ومسحوق فى الغالب بالفقر ومنهك الدماغ وهو لا يدرى من أين يسد {ديون الروح الما بتنتهى}. أمل تدخل المطبخ، أمل تحبل، تلد، تغسل، تخبز وتنهك لدرجة أنها لا تستطيع أن تكنس شوكة واحدة من {ضريسة} عذاباتها الممددة أمامها كصبي مات شهيدا فى حروبنا الضروس.
بدر يعود من العمل وشيب الهموم مشتعل فى رأسه، يرقد على أول سرير يقابله {مكرفسا روحه والملاية التي كسرت أمل ظهرها وهى تكويها} والظروف تكوى خبز الفرح ورائحته المحروقة تعكر حاجتهما لفرح منزوع من فك انياب الزمن. يتناول الجريدة يقرأ أخبار السياسة و{يلعن ابوها بلد}. الهلال والمريخ وكورة الشراب تلوح فى شاشة الطفولة التي ضاعت بين فكي صانعي المناهج والإعلام. يحاول النوم وأمل {تزازى فى الصغار} لينام بدر وصوته يعلو{ ياولية ماتدقى الشفع ديل خلينا ناخد لينا غمدة}. والمسكينة تشتهى أن تغمض عينيها مرة واحدة فى النهار لتسكن هواجسها. تعمل طيلة النهار وأجرها عند الله واجر بدر عند الحكومة التي كسرت ظهره بالضرائب التي بلعتها {كروش} انتفخت بين يوم وليلة. أمل تجهز وجبة الغداء الفقيرة فى غالب الأمر والتي سيحولها بترولنا وثروتنا الخيرة إلى مائدة روح غنية {بإذن الله ومشيئته}.
بدر يغسل يديه وليست به حيلة لغسل حزنه المرابض. أمل تهفو لتسمع كلمات طيبة من نوع {تسلمي يا حبيبة، اقعدي ارتاحي شوية، شكلك تعبانة الخ...}. أمل التي كانت قبل أعوام حبيبة القلب والروح تحولت إلى {ولية} {تنقنق كحلة بليلة الفقراء}. لا لشيء إلا لشوقها أن تلعب ضمانة الحياة مع بدر الذي فضل بعد أن تجرع شاي العصر إلى لعب {الضمنة} مع بدريون ما انفكوا يحكون عن غزوة بدر.
أنها المكونات الثقافية، الاقتصادية والسياسية التي أنتجت تقسيم الأدوار وركزت السلطة فى يده وبالتالي يصعب فى كثير من الأحيان تقبلها كشريكة تتساوى معه فى حقوق المواطنة. لذا توجب على أمل أن تختار مفرداتها بعناية تنسجم مع الدور المحدد لها وان {لا تشطح} فى استخدام لغة السياسة والاقتصاد و {البزنيس}، فهي مجالات للرجل أطرتها النظم والتشريعات التي حددت المساحة التي تناسبها حتى فى العمل السياسي، حيث تحظى بوزارة الأسرة والشئون الاجتماعية بدلا عن وزراه العدل أو وزارة الثقافة { والله ياهو الفضل يا برلمان النساء}. المؤسف أن أمل نفسها مسلوبة لهذه الثقافة التي تتعامل معها باعتبارها {الفأس الما بشق الرأس}، والحية الرقطاء والشيطان الذي أنزل آل بدر وأبوهم آدم من الجنة، وخصوبتها التي تحولت بقدرة قادر إلى {نجاسة} ونقصان فى العقل والدين.
ثقافتنا {ما شاء الله} طافحة بالأمثلة التي شكلت عظمة الاستلاب وتقوم المرأة نفسها بتأطيرها وقدرها الذي اختارته راضية مرضية حتى فى {صينية الغداء المدنكلة يوم السماية والمناسبات السعيدة}، التي يحظى بها الرجال أولا، والباقي لهن وما تبقى من فتات لأطفالنا.
أمل التي أتيح لها أن تدرس وتصبح قانونية مثلا، عليها أن تواجه مصيرها ومصير ملايين النساء المكبلات بقوانين الأحوال الشخصية. عليها أن تصبح {محمد ولد أبو عضلات} لترأس وزارة العدل { ويومها ستصفى حساباتها الشخصية مع أعداء المرأة كما فعل وزير العدل الحالي مع صحيفة السوداني} وهنا يجب ملاحظة الفرق وفقا للثقافة السائدة بان النساء {كيدهن عظيم}.
أمل فى إعلام تغييب الوعي عليها أن تهتم بزينتها وان تكون مؤهلة لفرز {السُرتّية والمحلبية الجيدة وكل أدوات تفتيح البشرة}، وان تصبح أسيرة للسوق المحلى وسطوة الاستهلاك. أمل الفقيرة عليها أن تحلم {بالعيش} ليسد جوع روحها وهى تفتح شهيتها لطريقة إعداد الوجبات الشهية التي يقدمها التلفزيون {شيء خروف محشي وشيء بشملي وآخر كرملي} يسيل لعاب الفقيرات، و{الكمونية} التي يغلب عليها {الفشفاش} تنتزعها من حالات التقمص الوجداني التي أعرف الآن سر إعجابي بها حين درسناها فى كلية الإعلام. علينا فقط ان نتقمص و {نغمص يدنا فى ملاح أم رقيقة المصلح بماجى}. للحظة تقمصت حالة أن تكون إعلامية مديرة للتلفزيون و الخروج من دائرة تقديم برامج المنوعات.
{لكزتنى} حقيقة الواقع أن الأمر سوف يصبح بلا فائدة حتى ولو صارت أمل وزيرة للثقافة، ومازلنا نهمش وجودنا كنساء، وتقوم أغلبيتنا بدور المستلبة التي تخاطب ضيفاتها من النساء بصيغة المذكر. مع إيماني أن اللغة تعكس الواقع الذي نعيشه والذي تُغيّب فيه المرأة ، النازحين، المهشمين وذوى الاحتياجات الخاصة.
لا أدرى إلى متى نستخدم مفردات مثل معركة التحرير وسلاح التنوير؟ قدرنا أننا شعوب لم تعرف غير المعارك نشيداً وغير السلاح وسيلة للثروة والسلطة، ومع ذلك نرزح فى {فقر الدنيا والعالميين}. مع ذلك يجب أن نخوض معركتنا ونجيب على السؤال ما الذي جعل أمل محمد ولد؟
الإجابة تكمن فى معركة التنوير والتنقيب فى آبار ارثنا، مناهجنا، تشريعاتنا، سياستنا. الإجابة تكمن فى التحدي بمواجهة واقعنا وتغييره بتأني ودراسة، وأن يشارك فيها أصحاب المصير دون تعالٍ أو تسلط. تكمن أيضا فى تفكيك ذاتنا حجرا حجرا وترميمها أو إعادة بنائها إن دعا الحال. البداية تكمن في تغيير مناهجنا وغربلة تاريخنا، وبدلا من المعلقات التي حفظناها {لا ايدنا لا كراعنا} نبدأ بعلي المك وملكة الدار، لنكتب عن تنوع ثقافاتنا. وبدلا من اختصار حكاية جنوبنا فى تلك الجملة التقريرية عن طقسه لندرس عن إنسانه وثقافته. لنكسر مقصلة تغريب الذات، لنركز على حقيقة تاريخنا ونواجه إخفاقاتنا ونخطو تجاه الفعل بدلا من الاكتفاء بلعن الظلام، وان نبتكر مناهجاً ترسخ فينا احترام ذاتنا والآخر وقبوله. أن ندرس عن حواية وأحمدو، أشول وملوال، أهل الريف والأنقسنا، شرقنا وغربنا. أن نحكى عن بترولنا، غاباتنا ونيلنا للفقراء وان يقرروا كيفية توزيعها.
لا مانع بعدها أن ندرس ما يليق بإنسانيتنا فى مداها الإنساني المنفتح على العالم. عفوا إنها ليست {أحلام محمد ولد أو أحلام زلوط} إنها أحلام امرأة تحفر معكم ومعكن لقلع ضرس الفقر والتغييب الذي لازمنا سنينا عددا... إذ ربما تجود {ترعنا} بخيرة الطمي.


* أمل وبدر أول دروس المطالعة الأولية

*نبذة عن الكاتبة:
د. اشراقة مصطفى حامد، باحثة وكاتبة تقييم فى فيينا منذ 1993 . أكملت دراسة الماجستير فى الصحافة والإعلام والدكتوراه فى العلوم السياسية- جامعة فيينا . عملت كمحاضرة جامعية في النمسا منذ 2001 إلى 2006. ناشطة فى منظمات المجتمع المدني النمساوي والسوداني.



*نشر هذا المقال فى النشرة الدورية ليبرو العدد الثانى 2007


غريبان


رفيقان فى السفر
متماسكين فى الحلم والشجن
قلوبنا تتماسك حين يهزمن التعب
غريبان فى هذا الزمن
أنتشى لوعة حين يلامسنى بشفافية
تنتصب احلامى
اتوه لوعة شجنا
وحنينا يفرهد
كالحروف المتناثرة
حبات نجوم
تعلن عن هويتى عن من أنا..
إمرأة أنا
منزورة للفقراء
ولاحلام النساء
ولأنات الوطن
غريبة أنا
يرافقنى فى بدء ومنتصف الحلم
ولايتركنى الا حبلى بالأمل
وحروف لاتنبض بالتعب
رفيقان فى السفر
متماسكين فى الحلم والشجن
قلوبنا تتشابك حين يهزمن التعب
غريبان فى هذا الزمن
أنا وقلمى

فيينا فى مايو 2002

بكائيات ..... تاريخ...... وحكايات



الى صديقات ذلك الزمن... رفيقات الدروب
من اقتسمن معى ملح الانسانية... والنضال... والمحبة
واليك ياصديقتى ام وائل.....ماتبقى من نبض وخفقان!!

من الصعب الكتابة عن زمن {مشربك} فى الدم والروح ومن الاقسى ان ينفك أسر الذاكرة والقلب لاكتب عنا.... عنك.... عن ذلك التاريخ وتلك الحكايات ومابقى الآن غير بكائيات العمر، نمسح دموعه المدرارا ونتبع اثر خطانا القديمة علها تنبه فينا بعض فرح {مدسوس} فى مكان بعيد لم تطاله يد الزمن الغول...
كيف أكتب عن تلك السنوات ياصديقتى الجميلة والدنيا ربيع انتفاضة، فى ذلك العام والشارع يفوح بعبق الانتصار لارادة الناس الطيبين وشجر النيل وينحاز للون التراب، فى ذلك العام من 1985 كان لقائنا الذى مرّ عليه الآن أكثر من عشرين عاما.... يأأأأأأأه... أتحسس الآن سنوات عمرنا، وهى تنسرب كالرمل، تندلق فى تاريخ بعيد تصيبة بمزيد من الظمأ.
كثيرا تم تحريضى ان اكتب عن تلك التجربة فى الجامعة الاسلامية بكلية البنات حتى لاتندثر، فقد كانت تجربة حقيقية عشناها بكل ايجابياتها وسلبياتها وحافزنا كان التغيير، وماكنت أحس بانى استطيع ان اكتبها رغم انها صاحية فى قلبى كنار حارقة وتهفو فى أيامى بكل ذكرياتنا ويوم أتانى صوتك، صوتك الذى لم تغييره السنين بذات نبرته الحنينة وذات ضحكتك وكأنى الآن التقيك بدار اتحاد الجامعة الاسلامية بعد ساعة.. ياصديقتى النضرة القلب، صوتك الذى صحانى ذات مساء زقزقت له روحى وجاءتنى عفاف، تلك الامورة الوديعة النبيهة الذكية... كيف فعلت بها الدنيا.. وابتسام الرقيقة، نسمة بحر ابيض علها تلوح الآن وتضحك حتى تدمع عينيها الرسولة... وخالدة صديقتنا المرتبة، ذات الاهداف المحددة ونحن نخط الف باء الدراسة الجامعية وهى تهفو ليوم زفافها.
كل تلك الايام تهفو كورق أخضر فى قلبى وتعيدنى لانضر ايام العمر وبدايات ترسيخ وعينا والحياة التى كان لونها زاهيا. كانت علاقتنا مميزة بكل مافيها من احلام وشقى واوهام شجية. كانت صداقتنا تتشابك مع صديقات مشتركات تربطهن هموم واحدة بدء من حلم التغيير داخل كلية البنات مرورا بحكايات الشجن الدافىء الذى يهطل بعد عودتنا من دار الاتحاد... نحكى عن الندوة وانطباعتنا واقتراحاتنا. يسطع الآن عم حمد بوجهه النبى و{صحوبيتنا لاعمامنا سواقين البصات}، ضحكنا يومها كثيرا واقتراحى لهم حين شكوا الحال المائل بان يضربوا عن العمل، وكيف لاينجح الاقتراح والعصيان المدنى اسقط اشرس مايو.. ومن يوم طباعة البيان وتوزيعه على الصحف ونيلهم لمزيد من الحقوق والتى ساهم فيها ذاك الشاب الموظف فى الادراة والذى طالته يد الصالح العام من اول شهرمن انقلاب يونيو 1989. ومن يومها توطدت العلاقة.. علاقة الاباء ببناتهم {المشاكسات} ولايمكن اغفال دور بعض الاساتذة الوطنيين اذكر على سبيل المثال استاذ بشير صالح واستاذ فضيلى جماع وغيرهم ولازلت اذكر مواقفهم التى سندتنا ضد زمهرير الاقصاء والكبت السياسى ، ولم يبخلوا علينا بالرؤية والحكمة.
انفجرت بالضحك مع {صاحبة زمن سمح} وحكينا عن رغبتنا المجنونة تلك لتنظيم الخالات عاملات النظافة فى نقابة لتحسين اوضاعهن.. هذه الافكار التى تسميها خالدة { افكار ناس مانصيحين} جعلت استاذ اللغة الانجليزية، استاذ زهير الذى ايد فكرة فصول محو أمية وشطحنا بالفكرة حينها لتشجيعهن لتكوين نقابة. كانت بنا طاقة خلاقة ونازعة للفعل فى كل اشكاله الايجابية، طاقة لصناعة نحل الفرح و {عسل الداخليةَ_ حنان ناصر} تعلن تمردها الذى لايقل عن تمرد سامية التى لاتفرط فى {جيهتها واناقتها} وهن يعلننها داوية { ماعاوزين لينا امام فى الداخلية بنصحى برانا نصلى الصبح}. اشتاق اليها هذه الحنان، ضحكتها الفارعة وجمالها الآخاذ وبحة صوتها وحكاياتنا {الدقاقة} حين نبقى فى غرفتهم حتى الخامسة صباحا، ماذا كنا نحكى كل هذا الوقت؟ ماذا كان يشغلنا وقلوبنا فتية وهادرة بالعشق والثورة واحلام التغيير.... يانبوية ويا ايام برى ويالذاك الحمام الذى لايكف عن الهديل حين نأتيك..
كنت ضمن ساكنات تلك الصاله التى نتكدس فيها ونتدفأ بانسانيتنا ولم نعد بحاجة لبطاطين لم تستطيع اغلبنا توفيرها، من يومنا فقراء....وكان استاذ زهير الذى كنا نسميه بالاستاذ الرقيق يدعونا بعض المرات لتناول فنجان قهوة فى مكتبة المنظم بعناية فائقة ويحكى لنا متأثرا عن الغنم التى لاتجد ماتأكله وانه بالضرورة تكوين جمعية للرفق بالغنم حتى لاتأكل الورق المتسخ والمتناثر فى الشارع ونضحك حين نقول له { يا استاذ كلنا كان كده غنم ونحتاج لمن يرفق بنا} وينظر لنا متأثرا وهو لايعرف ان {السخينة} التى ادمناها فى انتظارنا حين نعود الى الداخلية.
أحببت اللغة الفرنسية لاجلكن، وكم مرة أرهفت السمع لالتقط بعض الجمل والتى كنت انطقها خطأ وتنفجرن بالضحك
ودكتور عبدالرحمن.. أستاذ اللغة الفرنسية...توطدت علاقتنا به، نزوره احيانا فى مكتبه فى كلية التربية وكنا لاننفك فى مناقشة العديد من المواضيع أهمها تلك التى تعقب افلام المركز الفرنسى التى كنت ادوام معكن لمشاهدتها..
كانت ايام خوالى ياصديقتى....
حكاياتنا القديمة المتجددة
تخرجنا وراحت كل الى سبيلها...
تواصلنا ما استطعنا الى ذلك سبيلا... زرت اسرة هويدا فى آخر زيارة لى الصيف الماضى وتلمست اخبارها... تزوجت من ظل اعواما يحلم بها... صديقنا اللطيف محمد ابراهيم... وهل يمكن ان يأفل نجمه وهو الرصين بالفكرة والمقاوم بتحدى؟ قبل فترة رن جرس التلفون لاسمعه... سنوات مرت الا ان هناك بشر نقابلهم لايمكن نسيانهم، انهم جزء من تاريخنا وهويتنا، حكاياتنا، افراحنا وكل حزننا.. تذكرنا عفيف {ود رفاعة} كما سميناه، احمدابراهيم وعبدالرحيم حامد.. اولئك اللذين رافقتهم ابان رحلة النضال فى تلك البقعة حيث لامكان للخوف فينا وفينا مافينا من هدير، هدير يتناسب وعمرنا ذاك {عمر الزهور عمر المنا}.
وفى الثورة حيث كانت تترواح اقامتى حين زيارتى للسودان طلبت من { صاحب الامجاد الذى تاه فى ظلم امة الامجاد} ان يقف بى على تلك الداخلية.. لم تكن {رايحة لى بكية} حين علقن المرافقات... البقالة تلك فى مكانها، تذكرت البائع وكيف كنا نشترى منه الطماطم والبصل ودرجة الحرارة خمسين ومافى اليد حيلة، كنت اتمنى ان القاه وان {يبحت} فى {خرتويت} احلامه حين ترك ريفه ونزع للمدينة فابتلعته وابتعلت احلامه الصغيره، تلك النوتة المهترئة التى كان يسجل فيها {ديوننا} حين تكون {العين بصيره واليد قصيرة} سألت عنه وكأنى سألت عن أهل الكهف فقد ذهب مثلنا الى اين لا ادرى...
نظرت من على البعد تلك الصالة الكبيرة التى حوت عشرة سراير ، كنا فى نهاية السنة الاولى.. نتهامس ليلا والى وقت متأخر، كنت حينها ياصديقتى تعشقين... بل ستتزوجين... كيف وانت لم تكملى الدراسة... وبخجل... {والله انتى لو اتونستى معاه حاتعرفى ... وحاتشجعينى اطير ليهو طير}... نضحك.. سامية تطنطن وتنبهنا ان الساعة الآن قاربت الثانية صباحا... سامية بت الدويم اللذيذة.... كانت تعشق ايضا حينها ولكن {قلبها ميت} بترش فيه {موية} قبل ان تخلد الى النوم.... ربما وزعت نار أشواقها فيك.... فى نبوية تاريخ او عوضية بت كسلا.... كثيرا كنا لاننصاع لها وهى تأمرنا بان ننام... كيف ننام وانتى تلامسين قوز قزح اترسم فى قلبك وتفرهدين مثل شجر الجوافة فى بيوت اثرياء مدينة النيل.... بيت زميلنا أحمد {النظيف}... ياترى هل انتبهت صديقتنا تلك الى هفهفة شجر الجوافه والشوق فى نضارة خضرتها.
أشتاق الآن جدا لايمان أحمد دفع الله التى صار لها شأن وحققت احلامها بالعمل فى التلفزيون وكلما اراها وانا فى غربتى تملأنى تلك الايام... من يومها تملك الموهبة... ومن زمانها حديدية الارادة. كلما ارى ابتسامتها تضىء ليل ذاك الجهاز المسمى زورا وبهتانا بالقومى... أحس بان الحياة يمكن ترتييبها على نحو أفضل... اتذكرها وصورة {عمو غريب} شباب العباسية اصحاب الدكان جوار دار الاتحاد...اصدقاء حنان الدامر وبنات غرفتها {الانيقات} واللآتى مدن لنا ولى على وجه الخصوص حبل الوصال لهؤلاء الشباب الرائعين اللذين مابخلوا يوما بتشجيعهم لنا بالرأى وانتخابات الروابط على الابواب والتى غالبا ماكنا {نكسحهها}.. رابطة نيلنا الابيض ود الريس {وسفته التاريخية} وصديقتنا التى كنا نتهمها {بالحنكشة} تشترط التصويت للريس فقط فى حالة {التخلص من السفة} اثناء الاجتماعات... ونضحك {انتى مالك ومال سفتو... } كان العمل فى الروابط له طعم مختلف عما الفناه من الفصل التعسفى الذى مارسته الادارة
حينها... دار الاتحاد مقسم... جزء للبنات وآخر للاولاد، وعند المدخل {غلبها... اى الادراة} ان تمنع طارق الجزولى حمدنا اللة، الخالدين ومحمد عبدالوهاب من {الخلط المؤسس، المؤدلج والمسيس} حتى ذلك {الكوز الوجيه} الذى كنت اشاغبه وهو فى حالات {خلطه} الدائم بقولى { خلاص الانتخابات قربت}، كان لطيفا رغم حدتنا حين يصبح فرز {الكيمان} ضرورة حتمية. لم تستطيع الادارة ان تمنعنا من الجلوس فى الجانب الخلفى { كل الناس اتنين... أتنين} الا دحدوح واليكو اصدقائى المهمومين بكتابة الجريدة الحائطية وتعليقها اليوم قبل شمس{ بكرة تطلع} وهذا يعنى اعباء اضافية ومنعى من متعة {الونسة والضحك}... أذهب معهما الى ذاك البيت الانيق فى حى الامراء... وياله من بيت.. كنت أفضل ان اخط {المانشيتات} قبل تناول الوجبة الدسمة بعد ايام من الوجبات الفقيرة .. أتذكرين قصة {ود انصار السنة} الذى {يبارينا} لكتابة التقارير وكشف نشاط {الجبهة الديمقراطية} حينها الا ان كان يوما وامام دار الاتحاد والحياة تدب فييا وحميد سيقرأ أشعاره ويلهبنا حماسا... حين {مسكتو من يدو وقلت ليهو اياك تبارينا تانى... المسكين لم يستطيع التخلص من يدى الحرام الا بعد لأى وجهد} والحضور ينفجر بالضحك.. و{شباب الرهد} عبدالرحمن عبدالقادر
الذى صار محاميا له شأن والذى ظل {يكابس فى البلد الظالم حكامها} وطارق منوفلى {النطيف جدا} يتدخلا ويستنطقه إدورد التزاما بان لايفعل{ ويبارينى كظلى} وقد كان... من يومها اختفى ظله ودونه بقى ظل تلك الايام ممتدا يحيكنا صمود إدورد، لم تمنعه {العكازتين} التى يسند عليها يديه ورجليه ماتعبت من المسير... تواصلنا لفترة ومن ثم انقطع التواصل الا انه بقى فى ذاكرتى امتدداَ لخضرة الحلم {لبلدنا وكلنا اكوان}.
حكايات ياصديقتى وتاريخ ينبغى ان نكتبة قبل أن يندثر، انه ليس تاريخنا فقط وانما تاريخ الحركة الوطنية داخل الجامعة الاسلامية بشقيهيا، بناتها وبنينها... كانت الجامعة قبل ان نخطو عتباتها تضج بثمر النضال الطويل لطالبات لم تلين لهن عزيمة وطلبة هدروا فى مارس- ابريل وساهموا فى اشعال الانتفاضة المكتملة فى حالة الطوفان، كان الدرب ممهدا رغم وعورتها الشائكة، كنت حين احس بالاختناق أذهب الى معهد الموسيقى والمسرح بقصر الشباب والاطفال اذود نفسى بشحنة مقاومة للمواجهات التى لاتنفك تحدث بين الشهقة وزفرتها.. لن أنسى ابدا حين شددت الكلية حصارها علىّ ان لا امارس اى نشاط من اى نوع... خافتنى البنات وخافن من تهمة التصنيف السياسى الا قلة تواصلت معى وكنت انتى ياصديقتى احداهن... ومن كان يعتقد ان شوكة المقاومة تقوى فى ودنوباوى وفى الداخليات وكيف تنظمن الطالبات بمختلف ميولهن السياسية ضد القمع التى مارسته الادارة واتحاد الطالبات حينها الذى فاز به الاتجاه الاسلامى..
لن أنسى نهلة طيب الاسماء، تلك الاتحادية الشرسة، كانت صاحبة جميلة ومرنة وحين فجر الاتحاديات نشاطهن كنت اول من سندهن لانى كنت ومازلت على قناعة ان ذلك يوسع حركتنا الديمقراطية داخل الكلية وفعلنا نفس الشىء مع الحبيبات من حزب الأمة، اذكر نقاشاتنا حينها وإعتراض بعض زميلاتى على شكل علاقتى بهن ورغم ان كنت أعى حينها إ‘نهن سيفرزن كومهن وقت الانتخابات ولن يتحالفن معنا كما يحدث فى الجامعات الأخرى.
حتى الآن تدهشنى شكل تلك العلاقات التى تؤرخ للحركة الطلابية فى الجامعة الاسلامية فى بعدها الانسانى، نهارا تكون القيامة على وشك القيام وصوتى مابح فى {اركان النقاش} قبالتى تقف ايمان الكاملين ... كنت اقول لها {اول مرة اشوف كوزة رقيقة}، كيف استطعنا حينها ان نفصل بين حدتنا نهارا وتوحدنا على {صحن السخينة؟} حين قيلولة شيطان السياسة وهو يخلد الى السكون؟ ومتى هجس رجيمة فى حياتى؟ كيف استطعنا ان نتبادل التحايا والحكايا و{البلوزات} وكيف هطلت دموعنا فى غرفة بنات الشايقية{ ياحلييلن} حين نغادر فى الاجازات وكأننا بكينا حينها فراقنا الابدى؟ هذا هو المشروع الانسانى الذى اعلناه حينها فى برنامجنا اليومى والانتخابى إذن من اين جاءت الاصوات فى الانتخابات الاخيرة التى خضناها ونحن على اعتاب الخروج... لم نكن ندرى انه دخول الى كهف الوطن ولم نعلم بان شارع احلامنا ساتسده دبابة الكآبة وتعكره الاصوات التى شرخت صباحاتنا..
كل هذه الحكايات حاصرتنى وصوتك يصافحنى وهطلت أمطار الشجن، الدروب والصبا؟ مرت اكثر من عشرين عاماَ أكاد لا اصدق... وعوض الله القادم من بلاد بعيدة يغرسك فى فيافى عمره فاذدادت اخضرارا بقامتك يانخلتنا الشاهقة فى عمرنا.. تحمسنا يومها لنلتقيه، قلوبنا الصغيرة تترقب لهفتك المعطونة فى لهفتنا لنتعرف عليه.. انسانا عرفناه.. مثقفا لايشق عليه غبار... يومها لم نكف عن الحكى والضحك والترقب والامل وكأنما مابينكما باركته نسمات الديمقراطية التى نعمنا بها قبل ان تطحننا دبابات الحياة..وتحدد مواعيد زواجكما وأعددنا زينتنا وبهجتنا وكأننا نتزوج معك وسافرنا اربعتنا الى الهلالية لزواجك.. بيتكم الفسيح وقلوب أهلها الممتده بلاحدود، بالفرحة التقيناهم وبالفرحة احتونا، فى غرفة فاح صندلها.. الغرفة التى بدأتى حياتك فيها مع رفيق دربك.. تكدسنا كما نفعل فى الداخلية، لفت انتباهى الاعمال الكاملة لمظفر النواب، امازلت ياعوض الله تحفظها عن ظهر قلب ومحبة؟ قرأ لنا منها ولا زلت اذكر خطاباته لك حين عودته الى {بلاد برة}، تقرينى جزء وتخبىء الباقى ولكن ماقرأيتيه كان كافيا لاطمئن على مسيرتك مع رجل انسان حكت {صلعته} الجميلة تاريخ ثقافته ومواقفه فى زمن اسهل مافيه ان تتغير المواقف دون ان تتمرحل وتتغير وفقا لديانماكيتها. كم اشتاق الآن الى رسائله التى كان يخص كل واحدة منا بها، قصائده التى يرسلها لنا وكنا مثلك نشتاق زيارته حين يأتى من {بلاد برة}، لم نكن ندرى ياصديقتى باننا سنكون جزء حقيقيا من هذه {البرة} البعيدة جدا، الماوراء البحار.. بلاد تستطيع ان تنتزع وريقات العمر المخضرة وتترك ملوحتها على دمنا.
معك أحسسنا طعم الامومة وانتى حبلى بفرحتك الاولى... فكيف مرت هذه الاعوام وانا متشوقة لك وللصغار.. ضحتك هى.. صوتك هو..{ وائل دخل طب السنة دى.... ماشاء الله.. ياربى أحفظه وقر عيون امه وابوه بيهو}.. ضحكنا حتى انصهرت اسلاك التلفون وحكينا عن بقيتنا وحكى عوض الله الذى انتظر كثيرا و {نحنا نرقى} ومرت الساعة سريعا وكأنها دقيقة... دوما تأتون قبل القيامة ودوما تملأون سمائى بالسحب الحنينة ودوما تهطل بالمحنة والطيبة حين قدومكم. انتهت المكالمة وبدأت دودة الذكرى تلك التى لايمكن فصلها من إمعائى.. كنت بحاجة لاسمع أغنية بصوت حنان النيل {أيامنا الزمان ياحليلن} وبكيت {قدر مالله ادانى} وحسيت بعدها بحمامة روحى تحلق بعيدا وتجوب فيافى تلك الايام وكأن ابتسام ستأتى الآن مزهوة بمباركات المحبة، وكأن عفاف ستقرع الباب وتفاجأنى بهديلها وكأنى الآن ارتدى بلوزتى الحمراء تلك لاقيك وانت كما انت فى منتهى الاناقة والانسانية.. من اين لى بك ياصديقتى الوفية.
، تجولت فى غابات الذكرى والتقيتك وحكيت ليك نجاحاتى، انكساراتى وماتبقى من امل ازرعه فى صحراء العمر. ستخضر وماء روحك النقية ترش صحراء الايام التى باعدت بيننا ومازالت حروف عوض الله بعد المكالمة {الزمر لايسقط ياصديقتنا.} ومن قال ياصديقنا الانسان ان الرموز لاتسقط؟ نظرة واحدة على خارطتنا تكفى وحين
حين نلتقى سانزيح ستارة الليل عن الرموز التى تتساقط كالشهب وحينها فقط يمكن ان نحدد مجرى نهرنا الانسانى...

انتهت المكالمة و{ولعت} فوانسينا تلك، صحوت على صوت منال السيد فى بيتهم بالثورة... وكنا الثورة وطلائع عزة وجريدتنا التى سهرنا فيها الليل منال وأنا وعند الرابعة صباحا {أكلنا فول... كلما اكل فولا اتذكر الحاج وراق حين تتلمذت على يديه فى أسلوب الخطابة وهو ينبهنا ان لانأكل فول قبل ركن النقاش} يومها شبعت فولا وحكينا عن توقعاتنا وردة الفعل التى يمكن ان تحدث ونحن نرمى بثمرة باكورتنا {درب الانتفاضة... تصدرها طلائع عزة بكلية البنات} يومها ذكرنى بيوم الانقلابات، {الجو مكهرب، اسلاك المكرفونات فى الكافتيريا تبنىء بخطب جلل} وقد حدث والاصوات تعلو ضدنا.. لا لطلائع عزة... لا لبنات اليسار... ثلاثة اعداد فقط وتناقشنا منال وانا وصديقتنا هويدا,,, من الافضل الاعلان عن هويتنا وان نمارس نشاطنا السياسى علنا والدنيا ديمقراطية وقد كان... لاول مرة فى تاريخ كلية البنات تصدر الجبهة الديمقراطية نشرتها علنا، نشرة مهدن لها طلائع من البنات اللآتى خاضن النار لاجل ان يعلو صوتهن ويالصوتك يامديحة عبدالله وصوت رفيقاتك فى زمن كان نميرى وزمرته يقبضون على {زمارة الهواء}. يومها كانت المواجهة عنيفة والصحيفة الحائطية تم تمزيقها، مزقت مرات ومرات ولم تلين عزيمتنا والتى قويت حين انضمن بعض البنات اللآتى كن يدرسن فى الخارج وتم توزيعهن على الفرع والاسلامية ويومها قويت شوكتنا، كنتى حينها مع رفيقك خارج البلاد ولكن انسانك كان ينبض داخلى.. الانسان الذى فيك ياصديقتى بعض منه ينبض فى قلب تلك البنية من حزب التحرير التى بالكاد نرى وجهها المغطى بالخمار الاسود. لن انسى حين تم هدر دمى مرة قبيل الانتخابات كانت هى من حزرنى ان لا ابيت اليوم فى الداخلية، فى {ركن نقاش} والتهديد والوعيد المباشر والغير مباشر.. كانت تجربة رغم قسوتها الا انها ذادتنا رسوخا فى المضى قدما فى برنامجنا... وخضنا الانتخابات {39} صوتا كانت كافية لاشعال الغضب فى بنات الاتجاه الاسلامى، فحين كنا بعدد اقل كثيرا من اصابع اليد الواحدة.. واعلنت النتيجة وفازت قائمة الاتجاه الاسلامى، 39 صوتا كانت كافية ان تهز طمأنيتهن والهتاف الهستيرى {سقطت.. سقطت ياجبرالله}، مشيرات بذلك لبنات عم جبرالله، آمال وناهد اللآتى ناضلن حينها بصمود {فى زمن النضال الصاح}. هذه التجربة لابد من تدوينها لتبقى للتاريخ وساكتبها يوما كما عشتها بتفاصيلها ولتكن هذه البداية ... ليكتب ولتكتب كل من عاش وعاشت فى تلك الفترة من 1985 الى1989بل من قبل ذلك لاننا ماكنا سوى امتداد للحركة الوطنية داخل الجامعة التى ساهمت بترسيخ أسس العمل السياسى.
هناك وجوه وعلامات مميزة فى الحركة الطلابية التى انصهرت فيها لحد ما حركة الديمقراطين ممثلة فى الجبهة الديمقراطية وحركة الطلاب الناصرين أمازال صديقنا منتصر عبدالماجد مؤمنا بها؟ {الاشقاء} من الاتحادين ومواقفهم الصلبة، تعرفين صلتى الانسانية بهم ولايكمن للذاكرة ان تقفز دون ان تقف فى ركن أساسى لعزالعرب، طارق الجزولى وعبدالرحمن واصدقائهم. كيف يمكن ان تنسى الذاكرة هشام حميدة وحبة للمسرح ومحمدعبدالوهاب الذى صار له شأنا فى مصاف العلماء. كيف يمكن ان ننسى {المنتدى الأدبى} وصوت عزالعرب يشق كهوف الخوف فى تلك الدار، كيف ولجنته التفيذية اضافة لتجربتى الكثير والانسانى، كيف يكمن ان ننسى المسرح والبروفات التى يشرف عليها {هشام حميدة} ، لن أنسى يومها وتمثيلى لذاك الدور فى تلك المسرحية التى مثلها معى كوهين، يومها لم اتمكن من مراجعة النص و {هرج} و {مرج} صديقنا هشام و{حرنا} ان يراعى موهبتنا المزعومة وان {لا يعمل لينا فيها مخرج خطاب حسن أحمد} ولكن الحق يقال لقد كان موهوبا ومبدعا بالفطرة.
لايمكن ان نحكى عن هذه التجربة دون ان يحاصرنى الآن الخاتم عدلان، يحاصرنى برؤيته العميقة واسلوبه السلس فى الحوار، قبيل الانتخابات كان الشرارة التى أشعلتنا ولازالت وجوه البنات المتطلعات للمعرفة والكافتيريا لم تسعنا عددا وفرحة... مات الخاتم ولم استطيع ان ابكية ياصديقتى.. حتى الآن لم أستطيع...وهو من ساهم فى تربيتنا سياسيا، من علمنا الخطابة وأسس العمل التنظيمى ورفع الهامة.. وهل يمكن ان أغفل وجه الحاج وراق ونزار ومامون سيداحمد... هل يمكن ان ننسى نازك القدال إنعام عتيق وجميلة عبدالرحمن؟ وخالد الطيب وكلية التربية؟ هل يمكن ان ننسى عدلان وطارق التقى؟ على سبيل المثال اذكرهم وأذكرهن والقائمة تطول... لوممبا.. اين انت الآن؟ مانديلا وفريق كلية التربية... هل يمكن ان ننساهم فى يوم ندوة الاستاذة فاطمة احمد ابراهيم.. ذلك اليوم الذى هدرن فيه {اخوات نسبية} وكيف لا ولم يبقى فى الكلية فى موقعه.. اشلاك البوليس بودنوباوى عن {بكرة ابيه} فى داخل الكلية... وحين اشتد {الحمى والوطيس} والهتاف المضاد فى محاولة لتعطيل الندوة،كانت المرة الاولى التى ارى فيها {السيخ} علنا فى كلية البنات. كنت يومها ادير الندوة وفى لحظة كاد ان يذوب فيها الخيط الواهن بين الصمود والخضوع خوفا من الهجمة الشرسة وخوفا من يطال الاستاذه فاطمة أذى، مازلت اسأل نفسى كيف فكرت هكذا وهى اشد باسا؟ قلتها كتابة وردت على بالميكرفون ببسطاتها تلك { يابنات هى لمن سيخكن... انا من هنا ماطالعة وكلامى بقولوا} وضج المكان بالتصفيق والهتاف ويالجمال {ناس الاشلاك}.
اشتدّ عودنا وفرهد و{عينا قوت}.. مرة ابوعركى ومرة حميد... النهر يهدر ولن نتراجع...
مرت تلك الايام ياصديقتى بعضها عشتيه وبعضها لم تكونى موجودة وهانذى استدعى الذاكرة، ذاكرتى وذاكرة ذلك التاريخ البعيد الذى لا يمكن ان يندثر. فى السنة الاخيرة فى الكلية وثمة حزن يخيم على المكان... انتهت الامتحانات يوم 29 يونيو 1989 ورغم النتيجة المتوقعة للتخرج بدرجة الشرف التى حصلت عليها ايضا منال الا ان كابوس جثم يومها على صدرى... كنت يومها على موعد مع {خالتى مريم الانصارية} أمنا التى عرفناها صلدة وقوية والدة صديقاتى ليلى ، بدور، مها وسوسن وصديقنا عفيف عوض الكريم عرفنا الاسرة عن طريقه وتوطدت صلتى بها. أذكر يومها كان خطاب الميزانية الشهير الذى قدمه نقد، لم تكن بى رغبة لاسمعه وماكنت قبل ذلك اليوم افعل.. كنت حريصة فى متابعتى للجلسات البرلمانية واكثر حرصا لاسمع ارائة وحجته المنطقية. سألتنى ليلى بعد ان لاحظت التوتر النفسى الذى كنت فيه.. قلت لها أحس بالانقباض، شىء ما يلوح فى الافق، شىء كريه... لم نواصل فى النقاش، حاولنا الاستماع لصوت محمدالامين فى حفلة زواج جيرانهم.. كنت اشتاق ان انوم عميقا بعد أ سابيع من الامتحانات النهائية ولكن كانت تلك الليلة كابوس جاسم على صدرى حتى اللحظة.. صحوت مفزوعة بعد حلم هو الكابوس بعينه.. رأيت شوارع الخرطوم مغفرة كصحرا، الاشجار التى على النيل تساقطت اوراقها وفى فروعها التفت ثعابين مبرقطة اللون وكانت الشوارع خالية الا من الدبابات التى انتشرت فى كل الشوارع.. كنت مفزوعة واليقين يملوؤنى بان الموسيقى العسكرية ستصك قلوبنا بعد ساعات.. كنت عطشى ولكنى لم استطيع الحركة، حلم اشبة بالتراجيديا، ناولتنى ليلى اللطيفة كوب ماء وحكيت لها الكابوس وقلت لها بشىء أشبه بالتأكيد {لو عندكم وثائق لموها} ولم استطيع بعدها النوم، انتظرت حتى بانت خيوط آخر صباح وفتحت باب الشارع لارى مايؤكد الحقيقة... الكابوس لم يكن حلما.. حقيقة.. الحفل لم يتفرق لان الطرق المؤدية للخرطوم وبحرى كانت مغلقة.. وبحثنا عن جهاز الرايو.. طنين الموسيقى العسكرية يارب العباد.. يالنا من جيل ويالها من بلد.
من يومها وانكسار ما لازم روحى ولعنة مافارقتنى الى يومنا هذا.
هزة نفسية عنيفة لازمتنى لسنوات من حكم الانقلابين، تغيير كل شىء، مشاورينا، غنانا، احلامنا {وياترى ماذا أصير عندما أغدو كبيرا؟} لاشىء، حلت الصحف، التضيق والاختناق، سلمت مقاليد حياتنا لهم.. ذهبت يومها الى هويدا فى الهجرة ولم أجد غير الوجوم والحزن وكل الانكسار.. سيرا على الاقدام ذهبت الى الداخلية فى مدينة النيل، فرحة ما حسيتها فى عيون {النسيبيات} وشدو فرحتهن بهزيمة المشروع الديمقراطى وكأنى كنت ارى عمنا عبدالمنعم سلمان يكابد ظلم الجلادين فى كوبر وكأنى المح وجه على فضل وكأنى... وكأنى...واشتاق الآن لصوته وتواضعه حين نزورهم فى بيتهم... كلما تذكرت عم عبدالمنعم سلمان احس بان فى انتظارى الهدير.
لماذا الآن ومؤتمر الانتفاضة بمدنى ينتح بنداه فى القلب؟ لماذ الآن والاناشيد التى تلتها ام الحسن مازالت سحابا تمطر
وعم الشريف... ذلك الشرطى المستنير اللذى علمنى مالم نجده فى الكتب، عم الشريف المثقف واسرته الرائعة وتلك المشاوير تحكى وصبرى الشريف يحكى والشوارع والناس ويأأأأأأأأأأأأ بلد

عشرون عاما مرت...
ومرت معها خيول، اشجار وشموع
مرت ياصديقتى.. بقى فيها الكثير الذى ينبغى ان نعيشه
مرت وفيها الكثير الذى يبنغى ان نحكيه
مرت وتغييرت اشياء واشياء
نضج وعى السياسى بعد تجارب عديدة وصرت مهجسة بالهوية الانسانية
ولتكن سانحة لنؤرخ لتجربة الحركة الوطنية فى الجامعة الاسلامية...لنكتبها قبل ان تندثر... تفاصيل ستبقى ملح يطعم الحركة الطلابية فى السودان. الى ذلك الحين دعينى اهمس لك.. كم أحبك.. ها أنتى تعيدنى الى.. الى روحى.. شكرا ياصديقتى الجميلة... ياثويبة عبدالعاطى.. يا ام وائل يا ام قلبى..
شكرا ياصديقنا النبيل عوض الله
إنسانك يفرهد فى دربى ويمنحنى بعض الامان
شكرا وانتما تندهانى فى أبريل
ومعكم انده ذلك التاريخ... لنكتبه الآن!



فيينا الموافق يوم من ايام الشجن الخاص من أبريل 2007

فوانيس


فوانيس

د.إشراقه مصطفى حامد

ishragamustafa@hotmail.com

بكائيات ..... تاريخ...... وحكايات


الى صديقات ذلك الزمن... رفيقات الدروب
من اقتسمن معى ملح الانسانية... والنضال... والمحبة
واليك ياصديقتى ام وائل.....ماتبقى من نبض وخفقان!!

من الصعب الكتابة عن زمن {مشربك} فى الدم والروح ومن الاقسى ان ينفك أسر الذاكرة والقلب لاكتب عنا.... عنك.... عن ذلك التاريخ وتلك الحكايات ومابقى الآن غير بكائيات العمر، نمسح دموعه المدرارا ونتبع اثر خطانا القديمة علها تنبه فينا بعض فرح {مدسوس} فى مكان بعيد لم تطاله يد الزمن الغول...
كيف أكتب عن تلك السنوات ياصديقتى الجميلة والدنيا ربيع انتفاضة، فى ذلك العام والشارع يفوح بعبق الانتصار لارادة الناس الطيبين وشجر النيل وينحاز للون التراب، فى ذلك العام من 1985 كان لقائنا الذى مرّ عليه الآن أكثر من عشرين عاما.... يأأأأأأأه... أتحسس الآن سنوات عمرنا، وهى تنسرب كالرمل، تندلق فى تاريخ بعيد تصيبة بمزيد من الظمأ.
كثيرا تم تحريضى ان اكتب عن تلك التجربة فى الجامعة الاسلامية بكلية البنات حتى لاتندثر، فقد كانت تجربة حقيقية عشناها بكل ايجابياتها وسلبياتها وحافزنا كان التغيير، وماكنت أحس بانى استطيع ان اكتبها رغم انها صاحية فى قلبى كنار حارقة وتهفو فى أيامى بكل ذكرياتنا ويوم أتانى صوتك، صوتك الذى لم تغييره السنين بذات نبرته الحنينة وذات ضحكتك وكأنى الآن التقيك بدار اتحاد الجامعة الاسلامية بعد ساعة.. ياصديقتى النضرة القلب، صوتك الذى صحانى ذات مساء زقزقت له روحى وجاءتنى عفاف، تلك الامورة الوديعة النبيهة الذكية... كيف فعلت بها الدنيا.. وابتسام الرقيقة، نسمة بحر ابيض علها تلوح الآن وتضحك حتى تدمع عينيها الرسولة... وخالدة صديقتنا المرتبة، ذات الاهداف المحددة ونحن نخط الف باء الدراسة الجامعية وهى تهفو ليوم زفافها.
كل تلك الايام تهفو كورق أخضر فى قلبى وتعيدنى لانضر ايام العمر وبدايات ترسيخ وعينا والحياة التى كان لونها زاهيا. كانت علاقتنا مميزة بكل مافيها من احلام وشقى واوهام شجية. كانت صداقتنا تتشابك مع صديقات مشتركات تربطهن هموم واحدة بدء من حلم التغيير داخل كلية البنات مرورا بحكايات الشجن الدافىء الذى يهطل بعد عودتنا من دار الاتحاد... نحكى عن الندوة وانطباعتنا واقتراحاتنا. يسطع الآن عم حمد بوجهه النبى و{صحوبيتنا لاعمامنا سواقين البصات}، ضحكنا يومها كثيرا واقتراحى لهم حين شكوا الحال المائل بان يضربوا عن العمل، وكيف لاينجح الاقتراح والعصيان المدنى اسقط اشرس مايو.. ومن يوم طباعة البيان وتوزيعه على الصحف ونيلهم لمزيد من الحقوق والتى ساهم فيها ذاك الشاب الموظف فى الادراة والذى طالته يد الصالح العام من اول شهرمن انقلاب يونيو 1989. ومن يومها توطدت العلاقة.. علاقة الاباء ببناتهم {المشاكسات} ولايمكن اغفال دور بعض الاساتذة الوطنيين اذكر على سبيل المثال استاذ بشير صالح واستاذ فضيلى جماع وغيرهم ولازلت اذكر مواقفهم التى سندتنا ضد زمهرير الاقصاء والكبت السياسى ، ولم يبخلوا علينا بالرؤية والحكمة.
انفجرت بالضحك مع {صاحبة زمن سمح} وحكينا عن رغبتنا المجنونة تلك لتنظيم الخالات عاملات النظافة فى نقابة لتحسين اوضاعهن.. هذه الافكار التى تسميها خالدة { افكار ناس مانصيحين} جعلت استاذ اللغة الانجليزية، استاذ زهير الذى ايد فكرة فصول محو أمية وشطحنا بالفكرة حينها لتشجيعهن لتكوين نقابة. كانت بنا طاقة خلاقة ونازعة للفعل فى كل اشكاله الايجابية، طاقة لصناعة نحل الفرح و {عسل الداخليةَ_ حنان ناصر} تعلن تمردها الذى لايقل عن تمرد سامية التى لاتفرط فى {جيهتها واناقتها} وهن يعلننها داوية { ماعاوزين لينا امام فى الداخلية بنصحى برانا نصلى الصبح}. اشتاق اليها هذه الحنان، ضحكتها الفارعة وجمالها الآخاذ وبحة صوتها وحكاياتنا {الدقاقة} حين نبقى فى غرفتهم حتى الخامسة صباحا، ماذا كنا نحكى كل هذا الوقت؟ ماذا كان يشغلنا وقلوبنا فتية وهادرة بالعشق والثورة واحلام التغيير.... يانبوية ويا ايام برى ويالذاك الحمام الذى لايكف عن الهديل حين نأتيك..
كنت ضمن ساكنات تلك الصاله التى نتكدس فيها ونتدفأ بانسانيتنا ولم نعد بحاجة لبطاطين لم تستطيع اغلبنا توفيرها، من يومنا فقراء....وكان استاذ زهير الذى كنا نسميه بالاستاذ الرقيق يدعونا بعض المرات لتناول فنجان قهوة فى مكتبة المنظم بعناية فائقة ويحكى لنا متأثرا عن الغنم التى لاتجد ماتأكله وانه بالضرورة تكوين جمعية للرفق بالغنم حتى لاتأكل الورق المتسخ والمتناثر فى الشارع ونضحك حين نقول له { يا استاذ كلنا كان كده غنم ونحتاج لمن يرفق بنا} وينظر لنا متأثرا وهو لايعرف ان {السخينة} التى ادمناها فى انتظارنا حين نعود الى الداخلية.
أحببت اللغة الفرنسية لاجلكن، وكم مرة أرهفت السمع لالتقط بعض الجمل والتى كنت انطقها خطأ وتنفجرن بالضحك
ودكتور عبدالرحمن.. أستاذ اللغة الفرنسية...توطدت علاقتنا به، نزوره احيانا فى مكتبه فى كلية التربية وكنا لاننفك فى مناقشة العديد من المواضيع أهمها تلك التى تعقب افلام المركز الفرنسى التى كنت ادوام معكن لمشاهدتها..
كانت ايام خوالى ياصديقتى....
حكاياتنا القديمة المتجددة
تخرجنا وراحت كل الى سبيلها...
تواصلنا ما استطعنا الى ذلك سبيلا... زرت اسرة هويدا فى آخر زيارة لى الصيف الماضى وتلمست اخبارها... تزوجت من ظل اعواما يحلم بها... صديقنا اللطيف محمد ابراهيم... وهل يمكن ان يأفل نجمه وهو الرصين بالفكرة والمقاوم بتحدى؟ قبل فترة رن جرس التلفون لاسمعه... سنوات مرت الا ان هناك بشر نقابلهم لايمكن نسيانهم، انهم جزء من تاريخنا وهويتنا، حكاياتنا، افراحنا وكل حزننا.. تذكرنا عفيف {ود رفاعة} كما سميناه، احمدابراهيم وعبدالرحيم حامد.. اولئك اللذين رافقتهم ابان رحلة النضال فى تلك البقعة حيث لامكان للخوف فينا وفينا مافينا من هدير، هدير يتناسب وعمرنا ذاك {عمر الزهور عمر المنا}.
وفى الثورة حيث كانت تترواح اقامتى حين زيارتى للسودان طلبت من { صاحب الامجاد الذى تاه فى ظلم امة الامجاد} ان يقف بى على تلك الداخلية.. لم تكن {رايحة لى بكية} حين علقن المرافقات... البقالة تلك فى مكانها، تذكرت البائع وكيف كنا نشترى منه الطماطم والبصل ودرجة الحرارة خمسين ومافى اليد حيلة، كنت اتمنى ان القاه وان {يبحت} فى {خرتويت} احلامه حين ترك ريفه ونزع للمدينة فابتلعته وابتعلت احلامه الصغيره، تلك النوتة المهترئة التى كان يسجل فيها {ديوننا} حين تكون {العين بصيره واليد قصيرة} سألت عنه وكأنى سألت عن أهل الكهف فقد ذهب مثلنا الى اين لا ادرى...
نظرت من على البعد تلك الصالة الكبيرة التى حوت عشرة سراير ، كنا فى نهاية السنة الاولى.. نتهامس ليلا والى وقت متأخر، كنت حينها ياصديقتى تعشقين... بل ستتزوجين... كيف وانت لم تكملى الدراسة... وبخجل... {والله انتى لو اتونستى معاه حاتعرفى ... وحاتشجعينى اطير ليهو طير}... نضحك.. سامية تطنطن وتنبهنا ان الساعة الآن قاربت الثانية صباحا... سامية بت الدويم اللذيذة.... كانت تعشق ايضا حينها ولكن {قلبها ميت} بترش فيه {موية} قبل ان تخلد الى النوم.... ربما وزعت نار أشواقها فيك.... فى نبوية تاريخ او عوضية بت كسلا.... كثيرا كنا لاننصاع لها وهى تأمرنا بان ننام... كيف ننام وانتى تلامسين قوز قزح اترسم فى قلبك وتفرهدين مثل شجر الجوافة فى بيوت اثرياء مدينة النيل.... بيت زميلنا أحمد {النظيف}... ياترى هل انتبهت صديقتنا تلك الى هفهفة شجر الجوافه والشوق فى نضارة خضرتها.
أشتاق الآن جدا لايمان أحمد دفع الله التى صار لها شأن وحققت احلامها بالعمل فى التلفزيون وكلما اراها وانا فى غربتى تملأنى تلك الايام... من يومها تملك الموهبة... ومن زمانها حديدية الارادة. كلما ارى ابتسامتها تضىء ليل ذاك الجهاز المسمى زورا وبهتانا بالقومى... أحس بان الحياة يمكن ترتييبها على نحو أفضل... اتذكرها وصورة {عمو غريب} شباب العباسية اصحاب الدكان جوار دار الاتحاد...اصدقاء حنان الدامر وبنات غرفتها {الانيقات} واللآتى مدن لنا ولى على وجه الخصوص حبل الوصال لهؤلاء الشباب الرائعين اللذين مابخلوا يوما بتشجيعهم لنا بالرأى وانتخابات الروابط على الابواب والتى غالبا ماكنا {نكسحهها}.. رابطة نيلنا الابيض ود الريس {وسفته التاريخية} وصديقتنا التى كنا نتهمها {بالحنكشة} تشترط التصويت للريس فقط فى حالة {التخلص من السفة} اثناء الاجتماعات... ونضحك {انتى مالك ومال سفتو... } كان العمل فى الروابط له طعم مختلف عما الفناه من الفصل التعسفى الذى مارسته الادارة
حينها... دار الاتحاد مقسم... جزء للبنات وآخر للاولاد، وعند المدخل {غلبها... اى الادراة} ان تمنع طارق الجزولى حمدنا اللة، الخالدين ومحمد عبدالوهاب من {الخلط المؤسس، المؤدلج والمسيس} حتى ذلك {الكوز الوجيه} الذى كنت اشاغبه وهو فى حالات {خلطه} الدائم بقولى { خلاص الانتخابات قربت}، كان لطيفا رغم حدتنا حين يصبح فرز {الكيمان} ضرورة حتمية. لم تستطيع الادارة ان تمنعنا من الجلوس فى الجانب الخلفى { كل الناس اتنين... أتنين} الا دحدوح واليكو اصدقائى المهمومين بكتابة الجريدة الحائطية وتعليقها اليوم قبل شمس{ بكرة تطلع} وهذا يعنى اعباء اضافية ومنعى من متعة {الونسة والضحك}... أذهب معهما الى ذاك البيت الانيق فى حى الامراء... وياله من بيت.. كنت أفضل ان اخط {المانشيتات} قبل تناول الوجبة الدسمة بعد ايام من الوجبات الفقيرة .. أتذكرين قصة {ود انصار السنة} الذى {يبارينا} لكتابة التقارير وكشف نشاط {الجبهة الديمقراطية} حينها الا ان كان يوما وامام دار الاتحاد والحياة تدب فييا وحميد سيقرأ أشعاره ويلهبنا حماسا... حين {مسكتو من يدو وقلت ليهو اياك تبارينا تانى... المسكين لم يستطيع التخلص من يدى الحرام الا بعد لأى وجهد} والحضور ينفجر بالضحك.. و{شباب الرهد} عبدالرحمن عبدالقادر
الذى صار محاميا له شأن والذى ظل {يكابس فى البلد الظالم حكامها} وطارق منوفلى {النطيف جدا} يتدخلا ويستنطقه إدورد التزاما بان لايفعل{ ويبارينى كظلى} وقد كان... من يومها اختفى ظله ودونه بقى ظل تلك الايام ممتدا يحيكنا صمود إدورد، لم تمنعه {العكازتين} التى يسند عليها يديه ورجليه ماتعبت من المسير... تواصلنا لفترة ومن ثم انقطع التواصل الا انه بقى فى ذاكرتى امتدداَ لخضرة الحلم {لبلدنا وكلنا اكوان}.
حكايات ياصديقتى وتاريخ ينبغى ان نكتبة قبل أن يندثر، انه ليس تاريخنا فقط وانما تاريخ الحركة الوطنية داخل الجامعة الاسلامية بشقيهيا، بناتها وبنينها... كانت الجامعة قبل ان نخطو عتباتها تضج بثمر النضال الطويل لطالبات لم تلين لهن عزيمة وطلبة هدروا فى مارس- ابريل وساهموا فى اشعال الانتفاضة المكتملة فى حالة الطوفان، كان الدرب ممهدا رغم وعورتها الشائكة، كنت حين احس بالاختناق أذهب الى معهد الموسيقى والمسرح بقصر الشباب والاطفال اذود نفسى بشحنة مقاومة للمواجهات التى لاتنفك تحدث بين الشهقة وزفرتها.. لن أنسى ابدا حين شددت الكلية حصارها علىّ ان لا امارس اى نشاط من اى نوع... خافتنى البنات وخافن من تهمة التصنيف السياسى الا قلة تواصلت معى وكنت انتى ياصديقتى احداهن... ومن كان يعتقد ان شوكة المقاومة تقوى فى ودنوباوى وفى الداخليات وكيف تنظمن الطالبات بمختلف ميولهن السياسية ضد القمع التى مارسته الادارة واتحاد الطالبات حينها الذى فاز به الاتجاه الاسلامى..
لن أنسى نهلة طيب الاسماء، تلك الاتحادية الشرسة، كانت صاحبة جميلة ومرنة وحين فجر الاتحاديات نشاطهن كنت اول من سندهن لانى كنت ومازلت على قناعة ان ذلك يوسع حركتنا الديمقراطية داخل الكلية وفعلنا نفس الشىء مع الحبيبات من حزب الأمة، اذكر نقاشاتنا حينها وإعتراض بعض زميلاتى على شكل علاقتى بهن ورغم ان كنت أعى حينها إ‘نهن سيفرزن كومهن وقت الانتخابات ولن يتحالفن معنا كما يحدث فى الجامعات الأخرى.
حتى الآن تدهشنى شكل تلك العلاقات التى تؤرخ للحركة الطلابية فى الجامعة الاسلامية فى بعدها الانسانى، نهارا تكون القيامة على وشك القيام وصوتى مابح فى {اركان النقاش} قبالتى تقف ايمان الكاملين ... كنت اقول لها {اول مرة اشوف كوزة رقيقة}، كيف استطعنا حينها ان نفصل بين حدتنا نهارا وتوحدنا على {صحن السخينة؟} حين قيلولة شيطان السياسة وهو يخلد الى السكون؟ ومتى هجس رجيمة فى حياتى؟ كيف استطعنا ان نتبادل التحايا والحكايا و{البلوزات} وكيف هطلت دموعنا فى غرفة بنات الشايقية{ ياحلييلن} حين نغادر فى الاجازات وكأننا بكينا حينها فراقنا الابدى؟ هذا هو المشروع الانسانى الذى اعلناه حينها فى برنامجنا اليومى والانتخابى إذن من اين جاءت الاصوات فى الانتخابات الاخيرة التى خضناها ونحن على اعتاب الخروج... لم نكن ندرى انه دخول الى كهف الوطن ولم نعلم بان شارع احلامنا ساتسده دبابة الكآبة وتعكره الاصوات التى شرخت صباحاتنا..
كل هذه الحكايات حاصرتنى وصوتك يصافحنى وهطلت أمطار الشجن، الدروب والصبا؟ مرت اكثر من عشرين عاماَ أكاد لا اصدق... وعوض الله القادم من بلاد بعيدة يغرسك فى فيافى عمره فاذدادت اخضرارا بقامتك يانخلتنا الشاهقة فى عمرنا.. تحمسنا يومها لنلتقيه، قلوبنا الصغيرة تترقب لهفتك المعطونة فى لهفتنا لنتعرف عليه.. انسانا عرفناه.. مثقفا لايشق عليه غبار... يومها لم نكف عن الحكى والضحك والترقب والامل وكأنما مابينكما باركته نسمات الديمقراطية التى نعمنا بها قبل ان تطحننا دبابات الحياة..وتحدد مواعيد زواجكما وأعددنا زينتنا وبهجتنا وكأننا نتزوج معك وسافرنا اربعتنا الى الهلالية لزواجك.. بيتكم الفسيح وقلوب أهلها الممتده بلاحدود، بالفرحة التقيناهم وبالفرحة احتونا، فى غرفة فاح صندلها.. الغرفة التى بدأتى حياتك فيها مع رفيق دربك.. تكدسنا كما نفعل فى الداخلية، لفت انتباهى الاعمال الكاملة لمظفر النواب، امازلت ياعوض الله تحفظها عن ظهر قلب ومحبة؟ قرأ لنا منها ولا زلت اذكر خطاباته لك حين عودته الى {بلاد برة}، تقرينى جزء وتخبىء الباقى ولكن ماقرأيتيه كان كافيا لاطمئن على مسيرتك مع رجل انسان حكت {صلعته} الجميلة تاريخ ثقافته ومواقفه فى زمن اسهل مافيه ان تتغير المواقف دون ان تتمرحل وتتغير وفقا لديانماكيتها. كم اشتاق الآن الى رسائله التى كان يخص كل واحدة منا بها، قصائده التى يرسلها لنا وكنا مثلك نشتاق زيارته حين يأتى من {بلاد برة}، لم نكن ندرى ياصديقتى باننا سنكون جزء حقيقيا من هذه {البرة} البعيدة جدا، الماوراء البحار.. بلاد تستطيع ان تنتزع وريقات العمر المخضرة وتترك ملوحتها على دمنا.
معك أحسسنا طعم الامومة وانتى حبلى بفرحتك الاولى... فكيف مرت هذه الاعوام وانا متشوقة لك وللصغار.. ضحتك هى.. صوتك هو..{ وائل دخل طب السنة دى.... ماشاء الله.. ياربى أحفظه وقر عيون امه وابوه بيهو}.. ضحكنا حتى انصهرت اسلاك التلفون وحكينا عن بقيتنا وحكى عوض الله الذى انتظر كثيرا و {نحنا نرقى} ومرت الساعة سريعا وكأنها دقيقة... دوما تأتون قبل القيامة ودوما تملأون سمائى بالسحب الحنينة ودوما تهطل بالمحنة والطيبة حين قدومكم. انتهت المكالمة وبدأت دودة الذكرى تلك التى لايمكن فصلها من إمعائى.. كنت بحاجة لاسمع أغنية بصوت حنان النيل {أيامنا الزمان ياحليلن} وبكيت {قدر مالله ادانى} وحسيت بعدها بحمامة روحى تحلق بعيدا وتجوب فيافى تلك الايام وكأن ابتسام ستأتى الآن مزهوة بمباركات المحبة، وكأن عفاف ستقرع الباب وتفاجأنى بهديلها وكأنى الآن ارتدى بلوزتى الحمراء تلك لاقيك وانت كما انت فى منتهى الاناقة والانسانية.. من اين لى بك ياصديقتى الوفية.
، تجولت فى غابات الذكرى والتقيتك وحكيت ليك نجاحاتى، انكساراتى وماتبقى من امل ازرعه فى صحراء العمر. ستخضر وماء روحك النقية ترش صحراء الايام التى باعدت بيننا ومازالت حروف عوض الله بعد المكالمة {الزمر لايسقط ياصديقتنا.} ومن قال ياصديقنا الانسان ان الرموز لاتسقط؟ نظرة واحدة على خارطتنا تكفى وحين
حين نلتقى سانزيح ستارة الليل عن الرموز التى تتساقط كالشهب وحينها فقط يمكن ان نحدد مجرى نهرنا الانسانى...

انتهت المكالمة و{ولعت} فوانسينا تلك، صحوت على صوت منال السيد فى بيتهم بالثورة... وكنا الثورة وطلائع عزة وجريدتنا التى سهرنا فيها الليل منال وأنا وعند الرابعة صباحا {أكلنا فول... كلما اكل فولا اتذكر الحاج وراق حين تتلمذت على يديه فى أسلوب الخطابة وهو ينبهنا ان لانأكل فول قبل ركن النقاش} يومها شبعت فولا وحكينا عن توقعاتنا وردة الفعل التى يمكن ان تحدث ونحن نرمى بثمرة باكورتنا {درب الانتفاضة... تصدرها طلائع عزة بكلية البنات} يومها ذكرنى بيوم الانقلابات، {الجو مكهرب، اسلاك المكرفونات فى الكافتيريا تبنىء بخطب جلل} وقد حدث والاصوات تعلو ضدنا.. لا لطلائع عزة... لا لبنات اليسار... ثلاثة اعداد فقط وتناقشنا منال وانا وصديقتنا هويدا,,, من الافضل الاعلان عن هويتنا وان نمارس نشاطنا السياسى علنا والدنيا ديمقراطية وقد كان... لاول مرة فى تاريخ كلية البنات تصدر الجبهة الديمقراطية نشرتها علنا، نشرة مهدن لها طلائع من البنات اللآتى خاضن النار لاجل ان يعلو صوتهن ويالصوتك يامديحة عبدالله وصوت رفيقاتك فى زمن كان نميرى وزمرته يقبضون على {زمارة الهواء}. يومها كانت المواجهة عنيفة والصحيفة الحائطية تم تمزيقها، مزقت مرات ومرات ولم تلين عزيمتنا والتى قويت حين انضمن بعض البنات اللآتى كن يدرسن فى الخارج وتم توزيعهن على الفرع والاسلامية ويومها قويت شوكتنا، كنتى حينها مع رفيقك خارج البلاد ولكن انسانك كان ينبض داخلى.. الانسان الذى فيك ياصديقتى بعض منه ينبض فى قلب تلك البنية من حزب التحرير التى بالكاد نرى وجهها المغطى بالخمار الاسود. لن انسى حين تم هدر دمى مرة قبيل الانتخابات كانت هى من حزرنى ان لا ابيت اليوم فى الداخلية، فى {ركن نقاش} والتهديد والوعيد المباشر والغير مباشر.. كانت تجربة رغم قسوتها الا انها ذادتنا رسوخا فى المضى قدما فى برنامجنا... وخضنا الانتخابات {39} صوتا كانت كافية لاشعال الغضب فى بنات الاتجاه الاسلامى، فحين كنا بعدد اقل كثيرا من اصابع اليد الواحدة.. واعلنت النتيجة وفازت قائمة الاتجاه الاسلامى، 39 صوتا كانت كافية ان تهز طمأنيتهن والهتاف الهستيرى {سقطت.. سقطت ياجبرالله}، مشيرات بذلك لبنات عم جبرالله، آمال وناهد اللآتى ناضلن حينها بصمود {فى زمن النضال الصاح}. هذه التجربة لابد من تدوينها لتبقى للتاريخ وساكتبها يوما كما عشتها بتفاصيلها ولتكن هذه البداية ... ليكتب ولتكتب كل من عاش وعاشت فى تلك الفترة من 1985 الى1989بل من قبل ذلك لاننا ماكنا سوى امتداد للحركة الوطنية داخل الجامعة التى ساهمت بترسيخ أسس العمل السياسى.
هناك وجوه وعلامات مميزة فى الحركة الطلابية التى انصهرت فيها لحد ما حركة الديمقراطين ممثلة فى الجبهة الديمقراطية وحركة الطلاب الناصرين أمازال صديقنا منتصر عبدالماجد مؤمنا بها؟ {الاشقاء} من الاتحادين ومواقفهم الصلبة، تعرفين صلتى الانسانية بهم ولايكمن للذاكرة ان تقفز دون ان تقف فى ركن أساسى لعزالعرب، طارق الجزولى وعبدالرحمن واصدقائهم. كيف يمكن ان تنسى الذاكرة هشام حميدة وحبة للمسرح ومحمدعبدالوهاب الذى صار له شأنا فى مصاف العلماء. كيف يمكن ان ننسى {المنتدى الأدبى} وصوت عزالعرب يشق كهوف الخوف فى تلك الدار، كيف ولجنته التفيذية اضافة لتجربتى الكثير والانسانى، كيف يكمن ان ننسى المسرح والبروفات التى يشرف عليها {هشام حميدة} ، لن أنسى يومها وتمثيلى لذاك الدور فى تلك المسرحية التى مثلها معى كوهين، يومها لم اتمكن من مراجعة النص و {هرج} و {مرج} صديقنا هشام و{حرنا} ان يراعى موهبتنا المزعومة وان {لا يعمل لينا فيها مخرج خطاب حسن أحمد} ولكن الحق يقال لقد كان موهوبا ومبدعا بالفطرة.
لايمكن ان نحكى عن هذه التجربة دون ان يحاصرنى الآن الخاتم عدلان، يحاصرنى برؤيته العميقة واسلوبه السلس فى الحوار، قبيل الانتخابات كان الشرارة التى أشعلتنا ولازالت وجوه البنات المتطلعات للمعرفة والكافتيريا لم تسعنا عددا وفرحة... مات الخاتم ولم استطيع ان ابكية ياصديقتى.. حتى الآن لم أستطيع...وهو من ساهم فى تربيتنا سياسيا، من علمنا الخطابة وأسس العمل التنظيمى ورفع الهامة.. وهل يمكن ان أغفل وجه الحاج وراق ونزار ومامون سيداحمد... هل يمكن ان ننسى نازك القدال إنعام عتيق وجميلة عبدالرحمن؟ وخالد الطيب وكلية التربية؟ هل يمكن ان ننسى عدلان وطارق التقى؟ على سبيل المثال اذكرهم وأذكرهن والقائمة تطول... لوممبا.. اين انت الآن؟ مانديلا وفريق كلية التربية... هل يمكن ان ننساهم فى يوم ندوة الاستاذة فاطمة احمد ابراهيم.. ذلك اليوم الذى هدرن فيه {اخوات نسبية} وكيف لا ولم يبقى فى الكلية فى موقعه.. اشلاك البوليس بودنوباوى عن {بكرة ابيه} فى داخل الكلية... وحين اشتد {الحمى والوطيس} والهتاف المضاد فى محاولة لتعطيل الندوة،كانت المرة الاولى التى ارى فيها {السيخ} علنا فى كلية البنات. كنت يومها ادير الندوة وفى لحظة كاد ان يذوب فيها الخيط الواهن بين الصمود والخضوع خوفا من الهجمة الشرسة وخوفا من يطال الاستاذه فاطمة أذى، مازلت اسأل نفسى كيف فكرت هكذا وهى اشد باسا؟ قلتها كتابة وردت على بالميكرفون ببسطاتها تلك { يابنات هى لمن سيخكن... انا من هنا ماطالعة وكلامى بقولوا} وضج المكان بالتصفيق والهتاف ويالجمال {ناس الاشلاك}.
اشتدّ عودنا وفرهد و{عينا قوت}.. مرة ابوعركى ومرة حميد... النهر يهدر ولن نتراجع...
مرت تلك الايام ياصديقتى بعضها عشتيه وبعضها لم تكونى موجودة وهانذى استدعى الذاكرة، ذاكرتى وذاكرة ذلك التاريخ البعيد الذى لا يمكن ان يندثر. فى السنة الاخيرة فى الكلية وثمة حزن يخيم على المكان... انتهت الامتحانات يوم 29 يونيو 1989 ورغم النتيجة المتوقعة للتخرج بدرجة الشرف التى حصلت عليها ايضا منال الا ان كابوس جثم يومها على صدرى... كنت يومها على موعد مع {خالتى مريم الانصارية} أمنا التى عرفناها صلدة وقوية والدة صديقاتى ليلى ، بدور، مها وسوسن وصديقنا عفيف عوض الكريم عرفنا الاسرة عن طريقه وتوطدت صلتى بها. أذكر يومها كان خطاب الميزانية الشهير الذى قدمه نقد، لم تكن بى رغبة لاسمعه وماكنت قبل ذلك اليوم افعل.. كنت حريصة فى متابعتى للجلسات البرلمانية واكثر حرصا لاسمع ارائة وحجته المنطقية. سألتنى ليلى بعد ان لاحظت التوتر النفسى الذى كنت فيه.. قلت لها أحس بالانقباض، شىء ما يلوح فى الافق، شىء كريه... لم نواصل فى النقاش، حاولنا الاستماع لصوت محمدالامين فى حفلة زواج جيرانهم.. كنت اشتاق ان انوم عميقا بعد أ سابيع من الامتحانات النهائية ولكن كانت تلك الليلة كابوس جاسم على صدرى حتى اللحظة.. صحوت مفزوعة بعد حلم هو الكابوس بعينه.. رأيت شوارع الخرطوم مغفرة كصحرا، الاشجار التى على النيل تساقطت اوراقها وفى فروعها التفت ثعابين مبرقطة اللون وكانت الشوارع خالية الا من الدبابات التى انتشرت فى كل الشوارع.. كنت مفزوعة واليقين يملوؤنى بان الموسيقى العسكرية ستصك قلوبنا بعد ساعات.. كنت عطشى ولكنى لم استطيع الحركة، حلم اشبة بالتراجيديا، ناولتنى ليلى اللطيفة كوب ماء وحكيت لها الكابوس وقلت لها بشىء أشبه بالتأكيد {لو عندكم وثائق لموها} ولم استطيع بعدها النوم، انتظرت حتى بانت خيوط آخر صباح وفتحت باب الشارع لارى مايؤكد الحقيقة... الكابوس لم يكن حلما.. حقيقة.. الحفل لم يتفرق لان الطرق المؤدية للخرطوم وبحرى كانت مغلقة.. وبحثنا عن جهاز الرايو.. طنين الموسيقى العسكرية يارب العباد.. يالنا من جيل ويالها من بلد.
من يومها وانكسار ما لازم روحى ولعنة مافارقتنى الى يومنا هذا.
هزة نفسية عنيفة لازمتنى لسنوات من حكم الانقلابين، تغيير كل شىء، مشاورينا، غنانا، احلامنا {وياترى ماذا أصير عندما أغدو كبيرا؟} لاشىء، حلت الصحف، التضيق والاختناق، سلمت مقاليد حياتنا لهم.. ذهبت يومها الى هويدا فى الهجرة ولم أجد غير الوجوم والحزن وكل الانكسار.. سيرا على الاقدام ذهبت الى الداخلية فى مدينة النيل، فرحة ما حسيتها فى عيون {النسيبيات} وشدو فرحتهن بهزيمة المشروع الديمقراطى وكأنى كنت ارى عمنا عبدالمنعم سلمان يكابد ظلم الجلادين فى كوبر وكأنى المح وجه على فضل وكأنى... وكأنى...واشتاق الآن لصوته وتواضعه حين نزورهم فى بيتهم... كلما تذكرت عم عبدالمنعم سلمان احس بان فى انتظارى الهدير.
لماذا الآن ومؤتمر الانتفاضة بمدنى ينتح بنداه فى القلب؟ لماذ الآن والاناشيد التى تلتها ام الحسن مازالت سحابا تمطر
وعم الشريف... ذلك الشرطى المستنير اللذى علمنى مالم نجده فى الكتب، عم الشريف المثقف واسرته الرائعة وتلك المشاوير تحكى وصبرى الشريف يحكى والشوارع والناس ويأأأأأأأأأأأأ بلد

عشرون عاما مرت...
ومرت معها خيول، اشجار وشموع
مرت ياصديقتى.. بقى فيها الكثير الذى ينبغى ان نعيشه
مرت وفيها الكثير الذى يبنغى ان نحكيه
مرت وتغييرت اشياء واشياء
نضج وعى السياسى بعد تجارب عديدة وصرت مهجسة بالهوية الانسانية
ولتكن سانحة لنؤرخ لتجربة الحركة الوطنية فى الجامعة الاسلامية...لنكتبها قبل ان تندثر... تفاصيل ستبقى ملح يطعم الحركة الطلابية فى السودان. الى ذلك الحين دعينى اهمس لك.. كم أحبك.. ها أنتى تعيدنى الى.. الى روحى.. شكرا ياصديقتى الجميلة... ياثويبة عبدالعاطى.. يا ام وائل يا ام قلبى..
شكرا ياصديقنا النبيل عوض الله
إنسانك يفرهد فى دربى ويمنحنى بعض الامان
شكرا وانتما تندهانى فى أبريل
ومعكم انده ذلك التاريخ... لنكتبه الآن!



فيينا الموافق يوم من ايام الشجن الخاص من أبريل 2007